تتناول هذه القصة الصحفية مأساة الممرضات الإيرانيات خلال احتجاجات يناير، وتسلط الضوء على استهداف النظام المتعمد للطواقم الطبية التي عالجت الجرحى. تبرز قصة صالحة أكبري كرمز للتضحية والانتهاكات الوحشية التي طاولت حتى الجثث، مع كشف تقارير دولية عن وقوع مجازر جماعية وعنف جنسي ممنهج يهدف لترهيب المعارضين وإسكات صوت الحق الإنساني في المستشفيات.
تعد قصة الممرضة الشابة صالحة أكبري فصلاً مأساوياً يجسد حجم الانتهاكات التي تعرضت لها الطواقم الطبية في إيران خلال الاحتجاجات الشعبية الأخيرة.
تحولت المآزر البيضاء التي كان من المفترض أن تكون رمزاً للسلام والإنقاذ إلى أهداف مباشرة لنيران النظام وقمع أجهزته الأمنية التي لم تفرق بين متظاهر ومسعف. إنها حكاية تعكس ذروة التوحش في مواجهة الواجب المهني والإنساني النبيل في أصعب الظروف.
حسب تقرير لـ اندبندنت عربية، فإن الشهادات المسربة تكشف عن استهداف ممنهج للنظام الإيراني تجاه الممرضات اللواتي تجرأن على علاج المصابين في مدن مختلفة. هذه الممارسات لم تقتصر على الاعتقال بل امتدت لتشمل تصفية جسدية داخل المنازل وانتهاكات جنسية مروعة في المشافي والمعتقلات. لقد أكد حقوقيون أن ما حدث يمثل واحدة من أسوأ المجازر الجماعية في التاريخ العالمي المعاصر والحديث.
كانت الممرضات الشابات يقمن بعملهن الإنساني تجاه الجرحى الذين اخترقت رصاصات النظام أجسادهم النحيلة عندما قررت عناصر الأمن خطفهن واحتجازهن في غرف مظلمة.
تعرضت هؤلاء النسوة لعمليات تعذيب واغتصاب وحشي على يد مجموعات من المجرمين التابعين للنظام الذين اعتادوا ممارسة مثل هذه الانتهاكات بحق المعارضين. وفي الوقت نفسه ذهبت فرق الموت لقتل أخريات داخل منازلهن بعد علمهم بمداواة المصابين سراً بعيداً عن الرقابة.
بينما كانت الجثث تملأ الطرقات ومئات الجرحى ملقين في أزقة المراكز الطبية والشوارع خلال الاحتجاجات الشعبية التي أغرقت المدن الإيرانية، اقتحمت قوات الأمن المستشفيات بعنف.
لم يكن الهدف إلقاء القبض على المعارضين الذين تجرأوا وخرجوا بالآلاف فحسب، بل كان الهدف التأكد من قتلهم جميعاً. إما بإمطارهم بمزيد من الرصاص الحي أو بمنع الأطباء والممرضات من تقديم المساعدة الطبية اللازمة لإنقاذ حياتهم المتعثرة.
صالحة أكبري والضحية التي أصبحت جثة مهانة
في وجه وحشية النظام الإيراني الصارمة، كان هناك من لم يردع الخوف إنسانيتهم وواجبهم المقدس بإنقاذ الأرواح المهددة بالخطر والضياع. قامت صالحة أكبري سراً بإنقاذ حياة متظاهر شاب كان ينزف بشدة، لكنها سرعان ما دفعت حياتها ثمناً لهذا الموقف النبيل. علمت عناصر النظام بالأمر واقتحموا منزلها ليقتلوها بدم بارد أمام جدران بيتها، معتدين بالضرب المبرح على زوجها أحمد خدايي الذي شهد الجريمة المروعة.
لم يكتفِ النظام بقتل صالحة أكبري بل امتدت يدهم بالانتهاك إلى حرمة جثمانها داخل أسوار المشرحة الحكومية المظلمة. كشفت الناشطة والصحافية الإيرانية مسيح علي نجاد أن صالحة أكبري تعرضت جثتها لانتهاكات جنسية بشعة من قبل قوات الأمن. قام الجناة بتصوير هذه الفظائع وإرسال الصور إلى زوجها المفجوع في خطوة تهدف إلى إرهابه نفسياً وكسر إرادته لمنعه من الحديث عما جرى لزوجته الراحلة.
بقي أحمد خدايي قيد الاحتجاز لمدة أحد عشر يوماً، حيث تعرض لتهديدات متكررة بالتزام الصمت حيال ما شاهده من تفاصيل الاغتيال والانتهاك.
وبعد أشهر من الضغط النفسي المتواصل والترهيب الممنهج على يد عناصر أمن النظام، حاول الزوج اليائس الانتحار هذا الأسبوع. لقد أرسل أدلة دامغة لنجاد المقيمة في الولايات المتحدة توضح حجم التعذيب النفسي الذي تعرض له بعد مقتل شريكته بالرصاص الحي أمام عينيه.
كان الزوجان يعملان معاً لمساعدة المتظاهرين المصابين في الحصول على الرعاية الطبية اللازمة، متجنبين المستشفيات الحكومية التي تحولت لمصائد للموت. وبعد أيام من نشاطهم الإنساني، تم استهداف منزلهم الصغير ليتحول إلى مسرح لجريمة يندى لها الجبين. إن الضغط النفسي والانهيار الذي أصاب أحمد يعكس حجم المأساة التي يعيشها الناجون من قبضة النظام الإيراني الذي لا يرحم حتى الموتى في قبورهم أو مشافيهم.
دماء على المآزر البيضاء في قلب العاصمة طهران
كشفت بعثة تقصي الحقائق التابعة لمجلس حقوق الإنسان بالأمم المتحدة عن تفاصيل صادمة حول العنف الجنسي والتعذيب والاعتقالات التعسفية في إيران. وفي مركز رجائي لأمراض القلب والأوعية الدموية بالعاصمة طهران، كان سيل المصابين بالرصاص الحي يتدفق بغزارة في يناير الماضي، حينها اقتحمت عناصر الأمن المستشفى ووجهوا أوامر صارمة للفريق الطبي بعدم تقديم أي نوع من العلاج للمصابين مهما كانت حالتهم حرجة.
رفض أربعة عشر ممرضاً وموظفاً من أصل سبعة وعشرين تنفيذ هذه الأوامر اللاإنسانية، وحاولوا بكل قوتهم علاج الجرحى الملقين في الممرات.
تمكنت سبع ممرضات فقط من مواصلة تقديم الرعاية الطارئة لساعات طويلة وسط تهديدات أمنية مكثفة. لاحقاً، اقتحمت قوات الأمن المستشفى مرة أخرى وأطلقت النار مباشرة على بعض الجرحى داخل غرف العلاج، مما تسبب في حالة من الذعر والانهيار داخل الصرح الطبي.
عندما احتج الممرضون وموظفو المستشفى على عمليات إطلاق النار المباشر، تعرضوا للضرب المبرح ونقلوا قسراً إلى الطابق السفلي ومنطقة التخزين. أفاد شهود عيان بأن اثنتين من الممرضات السبع قتلتا رمياً بالرصاص أمام أعين زملائهن المذهولين من هول المشهد. أما الخمس الباقيات فقد جرى اعتقالهن ونقلهن إلى مراكز حجز سرية، حيث انقطعت أخبارهن تماماً عن عائلاتهن لأسابيع طويلة وسط قلق بالغ.
تكشف لاحقاً أن اثنتين من هؤلاء الممرضات تعرضتا لتعذيب واغتصاب جماعي متكرر على أيدي عناصر الأمن خلال فترة احتجازهما المظلمة. إحدى الممرضات، وهي شابة تبلغ من العمر ثلاثة وثلاثين عاماً، أخضعت لأبشع أنواع التعذيب الجنسي والجسدي. كان العناصر يغتصبونها في مجموعات متتالية على مدار أيام، مما أدى لتعرضها لإصابات جسدية بالغة تطلبت تدخلات جراحية معقدة لإنقاذ ما تبقى من جسدها المنهك.
تقارير دولية تكشف فظائع التعذيب الممنهج
تسببت الاعتداءات الوحشية في نزيف حاد للممرضة الشابة، مما اضطر الأطباء لاحقاً لاستئصال جزء من أمعائها في عملية جراحية طارئة. تعيش الضحية الآن مع كيس خارجي موصول بالقولون، كما عانى رحمها من تمزقات شديدة جراء العنف الجنسي المفرط. خضعت الممرضة لجراحتين حتى الآن، ويخشى الأطباء من ضرورة استئصال رحمها بالكامل في المستقبل القريب نتيجة الأضرار التي لا يمكن إصلاحها طبياً.
قبل دخولها غرفة العمليات، توسلت الممرضة للأطباء مراراً ألا يتركوها على قيد الحياة، مؤكدة رغبتها في الانتحار فور خروجها. حالتها النفسية تدهورت لدرجة خطيرة، حيث يتم تقييد يديها حالياً بسرير المستشفى لمنعها من إيذاء نفسها تحت إشراف أمني مشدد.
الممرضة الثانية لم تكن أوفر حظاً، حيث تعرضت هي الأخرى لاغتصاب جماعي أدى لتضرر أمعائها واستئصال رحمها بالكامل نتيجة النزيف والتمزق الشديدين.
اضطرت عائلة إحدى الضحايا لدفع مبالغ طائلة لضابط مخابرات لضمان إطلاق سراح ابنتهم من هذا الجحيم المستمر. جرى إعداد وثيقة قانونية زائفة تفيد بأن الممرضة دخلت في زواج مؤقت مع أحد العناصر لتبرير وضعها القانوني. كما أُجبرت على التوقيع على تعهد كاذب يفيد بأنها تعرضت للاغتصاب على يد مثيري شغب وليس عناصر الأمن، في محاولة بائسة من النظام لتبرئة ساحته وتزييف الحقائق.
نشرت صحيفة نيويورك تايمز شهادات مروعة جمعتها من أربعين طبيباً وممرضاً إيرانيين وصفوا ما حدث بالمذبحة البشرية الحقيقية. أعرب الكادر الطبي عن صدمته من شدة الإصابات التي استهدفت رؤوس وأعناق وصدور المتظاهرين بشكل مباشر وقاتل.
سعت السلطات لإسكات هؤلاء الشهود الذين بدأوا بتوثيق الجرائم سراً، حيث تعرض الكثير منهم للتهديد المباشر بالاعتقال أو التصفية في حال تسريب أي معلومات.
جراح الأطفال وشهادات الأطباء المروعة من الداخل
أفاد أطباء في مدينة رشت الشمالية بأن مراكزهم الطبية كانت مكتظة بمئات المتظاهرين المصابين بطلقات نارية في أماكن قاتلة بالجسم.
يعاني هؤلاء الأطباء الآن من صدمات نفسية حادة وكوابيس مستمرة جراء ما شاهدوه من فظائع إنسانية لا يمكن وصفها. فكر بعضهم في الانتحار بسبب العجز عن مساعدة الضحايا في ظل الحصار الأمني المشدد الذي فرضه النظام على كل غرف العمليات والطوارئ.
بذلت الفرق الطبية جهوداً مضنية لحماية المرضى من تصنيفهم كمتظاهرين عبر تزوير السجلات الطبية ومحو تسجيلات كاميرات المراقبة بشكل يومي. كان علاج الجرحى يتم في منازل خاصة بعيداً عن أعين الرقابة، مما عرض العاملين في القطاع الطبي لخطر الاعتقال أو الاستدعاء الأمني.
تعرض العديد من الزملاء للاعتقال والتعذيب بسبب وفائهم لقسم المهنة ورفضهم تسليم المصابين لقوات الأمن المتعطشة لمزيد من الدماء.
تشير التحقيقات التي أجرتها نقابات المعلمين إلى مقتل ما لا يقل عن مئتين وتسعة أطفال خلال تلك الاحتجاجات الدامية في إيران.
يستند هذا العدد لتقديرات طبية وأدلة مؤكدة من أقارب الضحايا الذين شاهدوا أطفالهم يسقطون برصاص القناصة. هناك نمط ثابت يشير إلى استهداف الأطفال برصاص في الرأس بشكل متعمد، وهو ما أكدته الفرق الطبية التي رأت حالات مروعة لمراهقين وأطفال في سن ما قبل المراهقة.
يعتقد المدعي العام السابق لجرائم الحرب في الأمم المتحدة بيام أخافان أن عدد القتلى قد يصل لعشرات الآلاف في الواقع. استند أخافان في تقديراته لتقارير شبكة واسعة من الأطباء الذين يجمعون السجلات السرية من جميع أنحاء البلاد رغم القمع. وصف أخافان هذه الأحداث بأنها واحدة من أسوأ المجازر الجماعية في التاريخ العالمي المعاصر، نظراً لحجم القتل والانتشار الجغرافي الواسع للعمليات العسكرية ضد المدنيين العزل.
انقطاع الاتصالات واستهداف عيون المتظاهرين بعنف
صرح مسؤولون إيرانيون بمقتل ثلاثة آلاف ومئة وسبعة عشر شخصاً فقط، زاعمين أن القتلى كانوا إرهابيين أو عناصر أمنية مدافعة. تفرض السلطات انقطاعاً شبه تام للإنترنت والاتصالات منذ يناير الماضي لحجب حجم القمع الحقيقي عن أنظار العالم الخارجي.
أكدت بعثة تقصي الحقائق أن الحكومة تجنبت الشفافية، واستخدمت أسلحة ثقيلة ورشاشات هجومية ضد الحشود السلمية التي لم تشكل أي تهديد مباشر للحياة أو الأمن العام.
أفاد الأطباء بأن المستشفيات باتت مكتظة بإصابات جماعية تشمل تعمية المتظاهرين عبر إطلاق كريات معدنية مباشرة نحو الوجوه والعيون الحساسة.
استذكر الأطباء نمطاً مشابهاً حدث في احتجاجات عام ألفين واثنين وعشرين، حيث تم إدخال مئات المصابين في يوم واحد لمستشفيات أصفهان. تسببت هذه الكريات في إصابات دائمة وفقدان للبصر لعشرات الشباب والشابات الذين طالبوا بحريتهم وحقوقهم الأساسية المسلوبة منذ عقود طويلة.
تشير المعلومات الموثوقة إلى احتجاز نحو أربعة وعشرين ألف متظاهر، بينهم أطفال وصحافيون ومدافعون عن حقوق الإنسان في زنزانات انفرادية. بث التلفزيون الرسمي مئة اعتراف قسري انتزعت تحت وطأة التعذيب والتهديد بقتل العائلات أو الاغتصاب الممنهج داخل السجون. يظل مشهد أكياس الجثث المكدسة في مشرحة كهريزك بطهران يطارد ذاكرة كل من شاهده، كدليل حي على وحشية النظام الذي لم يرحم حتى صالحة أكبري.
إن التضحيات التي قدمتها الممرضات في إيران ستظل محفورة في ذاكرة التاريخ كشاهد على الصراع بين الإنسانية والتوحش السياسي المطلق. لقد حاولت صالحة أكبري وزميلاتها رسم بصيص أمل وسط ظلام القمع، لكن ثمن الحرية كان باهظاً جداً ومرواً في بلد يقتل فيه المسعف بجانب المصاب.
ستبقى هذه الشهادات صرخة في وجه العالم لضمان عدم إفلات المجرمين من العقاب وتحقيق العدالة للضحايا الأبرياء.
صرخة الممرضات من غرف العمليات المظلمة
لم تكن قضية صالحة أكبري مجرد حادثة عابرة بل كانت تجسيداً لسياسة الأرض المحروقة التي اتبعها النظام ضد كل من يساعد المعارضين. إن الانتهاكات التي طاولت جثتها تعكس رغبة في تحطيم الكرامة الإنسانية حتى بعد توقف النبض في العروق.
إن صمود الأطباء والممرضين رغم التهديدات يمثل معركة بطولية صامتة خاضها القطاع الطبي ضد آلة القتل المنظمة التي لم تتوقف عن حصد الأرواح البريئة.
ناشد المجتمع الدولي والمنظمات الحقوقية بضرورة التدخل لوقف هذه الفظائع وحماية ما تبقى من الكوادر الطبية المستهدفة داخل إيران حالياً.
إن ما كشفته صالحة أكبري بدمائها يضع العالم أمام مسؤولية أخلاقية وقانونية كبرى للتحرك العاجل لوقف نزيف الدماء المستمر. ستبقى قصص الممرضات اللواتي فقدن أرحامهن وأمعاءهن بسبب التعذيب وصمة عار تلاحق كل من شارك أو صمت عن هذه الجرائم البشعة ضد الإنسانية.
تظل ذكرى صالحة أكبري ملهمة لكل من يؤمن بالواجب الإنساني فوق كل اعتبار سياسي أو أمني ضيق في هذا العالم. إن المأساة التي عاشتها صالحة أكبري وعائلتها هي جزء من مأساة شعب كامل يتوق للحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية المفقودة.
ستظل دماء الممرضات والمدافعين عن الحقوق نبراساً يضيء طريق الخلاص من القمع مهما طال ليل الظلم والاستبداد في تلك البلاد الجريحة والمنكوبة.

















0 تعليق