شتائم "المنارة"... "حرب" من نوع آخر

لبنان24 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف
ليس أخطر على الأوطان من الحروب التي تنتهي على الأرض وتستمر في النفوس. فالرصاص قد يصمت، والمتاريس قد تُزال، والقيادات قد تتصافح، لكن الكراهية حين تستقر في الوجدان تبقى قادرة على الظهور في أي لحظة، وأحياناً في أكثر الأماكن بعداً عن السياسة والصراعات، حتى في ملعب رياضي يُفترض أن يكون مساحة للفرح والتلاقي.

Advertisement


ما جرى في مباراة ناديي "الحكمة" و"الرياضي" على أرض "المنارة" لا يجوز التعامل معه كحادثة عابرة أو كفورة جماهيرية سرعان ما تنتهي. فالشتائم التي ترددت في المدرجات لم تكن مجرد كلمات نابية خرجت عن حدود اللياقة، بل كانت بمثابة إنذار يذكر اللبنانيين بأن الحرب الأهلية، على رغم مرور عقود على انتهائها، لم تغادر بالكامل عقول بعض أبنائها وقلوبهم.

المؤلم أن لبنان دفع ثمناً باهظاً كي يطوي تلك الصفحة. عشرات الآلاف من الضحايا سقطوا، ومئات الآلاف تهجروا، وأجيال كاملة دفعت ثمن الانقسامات والرهانات الخاطئة والتعصب الأعمى.

وكان يُفترض أن تكون هذه التضحيات درساً نهائياً للجميع بأن لا رابح في الحروب الداخلية، وأن الوطن هو الخاسر الأكبر كلما انتصرت العصبيات على العقل.

لكن ما ظهر في "المنارة"، وقد يتكرر المشهد في "غزير"، يوحي بأن المصالحة التي تحققت بعد الحرب بقيت، إلى حد بعيد، مصالحة سياسية أكثر منها مصالحة مجتمعية.

فقد جرى وقف القتال، لكن لم تُستكمل عملية المصارحة. وعادت المؤسسات للعمل، لكن الذاكرة الجماعية بقيت مثقلة بالروايات المتناقضة والهواجس المتبادلة. ولهذا السبب يكفي أحياناً حدث رياضي أو سياسي أو إعلامي حتى تعود بعض الغرائز القديمة لتطفو إلى السطح.


إن أخطر ما في الشتائم ليس مضمونها المباشر، بل الرسائل التي تختبئ خلفها. فهي تعكس استمرار النظرة إلى الآخر باعتباره خصماً لا شريكاً، ومنافساً يجب إلغاؤه لا احترامه.

وهذه الذهنية هي نفسها التي أوصلت لبنان في مراحل سابقة إلى الكارثة، وهي نفسها التي تعيق اليوم قيام دولة قوية يشعر جميع أبنائها بأنهم متساوون في الحقوق والواجبات.

والمفارقة أن هذه المظاهر تتفجر في وقت يحتاج فيه اللبنانيون إلى أعلى درجات التضامن الوطني. فالبلاد تواجه تحديات مصيرية، من تداعيات الحروب والاعتداءات الإسرائيلية إلى أزمات الاقتصاد والهجرة وإعادة الإعمار. وكل ذلك يفترض أن يدفع نحو تعزيز الوحدة الوطنية، لا نحو استعادة لغة الانقسام التي أثبتت التجارب أنها طريق مسدود.

من هنا، فإن المسؤولية لا تقع على المشجعين وحدهم. فالأندية الرياضية مطالبة بأن تكون مدارس في المواطنة قبل أن تكون مصانع للبطولات.

والإعلام مدعو إلى رفض كل خطاب تحريضي مهما كان مصدره. أما الدولة، فعليها أن تدرك أن بناء السلم الأهلي لا يتم فقط عبر الأجهزة والقوانين، بل عبر التربية والثقافة وصناعة ذاكرة وطنية مشتركة تتجاوز الاصطفافات الضيقة.

لقد كان "الحكمة" و"الرياضي"، على مدى سنوات طويلة، عنواناً للتنافس الرياضي الراقي، ومصدر فخر لكرة السلة اللبنانية التي استطاعت أن توحد اللبنانيين أكثر مما فعلت السياسة في كثير من الأحيان. لذلك فإن الإساءة لا تطال الناديين وحدهما، بل تطال الفكرة التي يمثلانها، فكرة أن اللبنانيين قادرون على الاختلاف من دون عداء، وعلى التنافس من دون كراهية.

إن ما حدث في المنارة يجب أن يتحول إلى فرصة للمراجعة الوطنية. فالحروب لا تنتهي فعلاً إلا عندما يسقط آخر حاجز نفسي بين أبناء الوطن الواحد. والسلام لا يكتمل إلا عندما يصبح احترام الآخر جزءاً من الثقافة اليومية، لا مجرد شعار يرفع في المناسبات.

أما الدرس الأهم، فهو أن لبنان لن يُبنى بالذاكرة الجريحة، بل بالإرادة المشتركة. ولن تحميه الشعارات العصبية، بل قناعة راسخة بأن التنوع قوة لا تهديد، وأن الشراكة قدر لا مفر منه. وإلى أن يترسخ هذا الوعي، ستبقى كل حادثة مشابهة تذكرنا بحقيقة مؤلمة، وهي أن الحرب انتهت في الشوارع منذ زمن، لكنها لم تنتهِ بعد، على ما يبدو، في بعض النفوس.

أخبار ذات صلة

0 تعليق