وأعدت التحقيق الصحافية بيل كوشينغ، التي اعتمدت على تحليل صور الأقمار الاصطناعية ومقارنة المشاهد الملتقطة قبل العمليات العسكرية وبعدها، إلى جانب شهادات أصحاب المنازل، لتوثيق حجم الدمار الذي طال ممتلكاتهم منذ بدء التوغل الإسرائيلي في المنطقة خلال نيسان الماضي.
ويبدأ التحقيق الذي ترجمهُ "لبنان24" من مدينة ديربورن في ولاية ميشيغان، التي تضم واحدة من أكبر الجاليات اللبنانية في الولايات المتحدة، إذ يتحدر عدد كبير من سكانها وسكان ديربورن هايتس من بنت جبيل، ولا يزالون يحتفظون بمنازل وممتلكات في مدينتهم الأم ويعودون إليها خلال العطل والمناسبات العائلية.
وينقل التقرير عن رئيس الرابطة العربية الأميركية للحقوق المدنية، ناصر بيضون، قوله إن ارتباط أبناء الجالية ببنت جبيل يتجاوز امتلاك منزل أو قطعة أرض، ليشكل جزءاً من الهوية والذاكرة العائلية. وأوضح أن والده أمضى نحو ثلاثة عقود في العمل داخل مصانع "فورد"، قبل أن يستثمر مدخراته في بناء منزل للعائلة في لبنان.
ومن بين أبرز الشهادات التي يتناولها التحقيق، قصة الأميركية من أصول لبنانية دانيال الزيات، التي قالت إنها اعتادت، مع دخول القوات الإسرائيلية إلى بنت جبيل، متابعة صور الأقمار الاصطناعية التي كان يتبادلها أبناء البلدة وأفراد عائلتها بحثاً عن المنزل الذي بناه والدها.
وذكرت أن تلك المتابعة اليومية انتهت بصدمة، بعدما اكتشفت في إحدى الصور أن المنزل اختفى بالكامل وتحول إلى ركام، معتبرة أن المنزل لم يكن مجرد بناء، بل ثمرة سنوات طويلة من العمل والادخار، ومكاناً يجمع أفراد العائلة ويربط أبناءها المقيمين في الولايات المتحدة بجذورهم في لبنان. ويعرض التحقيق صوراً للمنزل قبل تدميره، إلى جانب صور جوية لاحقة تظهر اختفاءه بالكامل.
وفي سياق توثيق الدمار، حللت "وول ستريت جورنال" صوراً التقطتها شركة "بلانيت لابس" للأقمار الاصطناعية، إضافة إلى مواد بصرية من مصادر ميدانية، لتحديد مواقع المنازل التي يملكها مواطنون أميركيون داخل بنت جبيل. وأظهرت المقارنة بين الصور الملتقطة قبل العمليات العسكرية وبعدها تدمير عشرات المنازل أو تعرضها لأضرار جسيمة.
أيضاً، رصد التحقيق تحرك آليات عسكرية إسرائيلية قرب عدد من تلك العقارات، مشيراً إلى أن جانباً من عمليات الهدم وقع بعد دخول القوات الإسرائيلية إلى الأحياء السكنية، وليس نتيجة القصف الجوي وحده. وأرفق ذلك بخريطة توضح نطاق العمليات العسكرية الإسرائيلية حتى 18 حزيران، وموقع بنت جبيل ضمن المناطق التي وصلت إليها القوات الإسرائيلية.
ويشير التحقيق أيضاً إلى تسجيل مصور يعود إلى 9 نيسان، ظهر فيه رئيس أركان الجيش الإسرائيلي إيال زامير داخل بنت جبيل، معلناً أن القوات الإسرائيلية تتحرك في لبنان بالطريقة نفسها التي تتحرك بها في سوريا، وأنها لا تزال تسيطر على مواقعها وتواصل القتال بواسطة قواتها وآلياتها المدرعة.
وبحسب التقرير، فقد دخلت القوات الإسرائيلية المدينة بعد تصعيد الحرب مع إيران، ووسعت نطاق تحركاتها في جنوب لبنان لتصل إلى أحياء سكنية تضم عدداً كبيراً من المنازل التي تعود لعائلات لبنانية تحمل الجنسية الأميركية.
ويعرض التحقيق كذلك شهادتي عارف سعد وعايدة سعد، اللذين تحدثا عن علاقتهما بالمدينة والمنزل الذي بنته العائلة فيها بعد سنوات من العمل في الولايات المتحدة، في صورة تعكس تجربة مشتركة لدى عدد كبير من أبناء الجالية اللبنانية في ميشيغان الذين جمعوا مدخراتهم لبناء منازل في بلداتهم الجنوبية أملاً في العودة إليها أو قضاء الصيف مع أبنائهم وأحفادهم.
وقالت عايدة سعد إن المنزل يمثل تاريخ العائلة وذكرياتها، فيما أظهرت المقاطع المصورة حجم الدمار الذي طال المنازل والشوارع المحيطة بها. ويشير التقرير إلى أن أصحاب هذه الممتلكات لم يكونوا موجودين في لبنان عند تدميرها، بل تابعوا مصيرها من على بعد آلاف الكيلومترات عبر الصور ومقاطع الفيديو التي كان يرسلها الأقارب وأبناء البلدة.
ويتوقف التحقيق أيضاً عند الأهمية الرمزية التي تمثلها بنت جبيل في الصراع بين إسرائيل و"حزب الله"، مستعيداً خطاب الأمين العام السابق للحزب حسن نصرالله في المدينة عقب الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان في 26 أيار 2000، حين قال إن إسرائيل، رغم امتلاكها السلاح النووي وأقوى سلاح جو في المنطقة، "أوهن من بيت العنكبوت".
أيضاً، يعرض التقرير مقتطفاً من منشور إسرائيلي تحدث عن العودة إلى المكان الذي شهد ذلك الخطاب، معتبراً أن القوات الإسرائيلية جاءت هذه المرة "لإنهاء القصة التي بدأت في ذلك الملعب منذ زمن بعيد"، مستنداً إلى صور جوية ومقاطع ميدانية لتحديد موقع الملعب والمنشآت المحيطة به وتوثيق العمليات العسكرية التي طاولت المنطقة.
وفي رد بعث به إلى الصحيفة في 30 حزيران، قال الجيش الإسرائيلي إنه ينفذ عملياته وفقاً للقانون الدولي ويتخذ احتياطات واسعة للحد من الأضرار التي قد تلحق بالمدنيين والبنية التحتية المدنية، مضيفاً أن عملياته تأتي رغم ما وصفه بـ"الممارسة المنهجية لحزب الله في نشر عناصره وأسلحته وبنيته التحتية العسكرية داخل المناطق المدنية"، معتبراً أن ذلك يشكل انتهاكاً للقانون الدولي.
في المقابل، يخلص تحقيق "وول ستريت جورنال" إلى أن صور الأقمار الاصطناعية والمواد المصورة من الميدان توثق تدمير عدد كبير من المنازل المدنية، من بينها عقارات تعود لمواطنين أميركيين من أصول لبنانية، فيما يؤكد أصحابها أن خسارتهم لم تقتصر على الممتلكات، بل شملت ذكريات امتدت لعقود ومكاناً ظل يجمع أفراد العائلة ويربطهم بجذورهم في جنوب لبنان، مشددين على أن تدمير المنازل لن ينهي ارتباطهم ببنت جبيل أو يمحو ذاكرتهم فيها.








0 تعليق