Advertisement
والمفارقة أن الرجل الذي سخر طوال حياته من المناسبات الرسمية والاحتفالات المُفرَغة من مضمونها، صار اليوم أسير المناسبة نفسها التي يُفترض أنها تكرّمه. المأساة الحقيقية، إذا جاز القول، أنه عاش كفاية ليرى تحذيراته تتحول إلى وقائع، من دون أن يمنحه ذلك أي عزاء. فمن يصدُق في وصف الانهيار قبل وقوعه لا يُكافأ عادة؛ هو فقط يحمل خبراً ثقيلاً، ويظل وحيداً في حمله حتى يتحقق أمام الجميع.
بلد لم يكتمل بعد
لم يكن "البلد" عند زياد خريطة ولا علماً يُرفع في المناسبات، فهو فكرة لم تنضج، مشروعاً معلّقاً بين وعد وخيبة. شخصياته المتلعثمة، حواراته التي لا تفضي إلى خاتمة مطمئنة، كل ذلك كان يقول شيئاً واحداً بصيغ متعددة: إن الانقسام ليس طارئاً على هذا الكيان، بل جزء أصيل من تكوينه، يعاود الظهور في كل أزمة بثوب مختلف. ولهذا، حين يستعيد اللبنانيون اليوم عباراته في نقاشاتهم اليومية، فهم يشهدون ويعترفون ضمنياً بأن الزمن لم يتحرك كثيراً عن النقطة التي تركهم زياد فيها.
اسئلة زياد المعلّقة
ومن اليوميات ايضا التي تتخطى ذكراه الرسمية، ما طرحه زياد الرحباني طوال حياته، وبقيت أسئلته معلّقة، تبحث عبثاً عمن يملك شجاعة الإجابة: هل يُعقل أن نحبّ الوطن، من دون أن نتوقف لحظة عن العتب عليه ومساءلته ومحاسبته؟ لماذا البلد لم يصبح بلداً بعد؟ لماذا يبقى الفقير فقيراً؟ ولماذا تبقى الطائفية، رغم كل الشعارات، هي القاعدة لا الاستثناء؟ وإلى متى سيبقى سؤال "بالنسبة لبكرا شو؟" بلا إجابة، بينما "بكرا" يأكل من الأعمار ويمضي؟







0 تعليق