من لبنان إلى السعودية.. هكذا التقت "الشهابية" مع "رؤية 2030"

لبنان24 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

وأشار التقرير الذي ترجمهُ "لبنان24" إلى أنه، وعلى الرغم من الاختلافات التاريخية والسياسية والاقتصادية العميقة بين لبنان في منتصف القرن العشرين والسعودية في القرن الحادي والعشرين، فإن التجربتين تنطلقان من قناعة مشتركة مفادها أن بناء الدولة الحديثة لا يتحقق عبر الخطاب السياسي وحده، بل يحتاج إلى إصلاح مؤسسات الدولة، وإدارة عامة مهنية، واستثمار في رأس المال البشري، وتنمية متوازنة تشمل كل المناطق.

وأوضح التقرير أنه عندما تولى فؤاد شهاب رئاسة الجمهورية عام 1958، كان لبنان يخرج من أزمة سياسية واجتماعية عميقة كشفت حجم التفاوت بين بيروت والمناطق الطرفية، حيث كانت الدولة قائمة من الناحية الدستورية، لكنها كانت غائبة إلى حد كبير عن الحياة اليومية لشريحة واسعة من المواطنين، في ظل معاناة المناطق الريفية من ضعف البنية التحتية، ومحدودية الخدمات العامة، وصعوبة الوصول إلى التعليم والرعاية الصحية وفرص العمل.

وذكر التقرير أن شهاب أدرك أن الاستقرار السياسي لا يمكن أن يستمر من دون تحقيق العدالة الاجتماعية والتنمية الوطنية المتوازنة، ولذلك تمحورت رؤيته حول بناء "دولة المؤسسات" بدلاً من نظام يقوم على شبكات المحسوبيات والقيادات الطائفية والولاءات الشخصية.


وأشار إلى أن إحدى الركائز الأساسية لهذا المشروع تمثلت في بعثة المعهد الدولي الفرنسي للبحث والتدريب والتعليم والتنمية، التي ترأسها الأب لويس جوزيف لوبريه، والتي وفرت الأساس العلمي لتشخيص المشكلات البنيوية في لبنان. فمن خلال تقييم شامل وغير مسبوق على مستوى البلاد، أعدت البعثة دراسة متكاملة للأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، كشفت حجم الفوارق التنموية بين المركز والأطراف.

وبيّن التقرير أن أهمية هذه البعثة لم تقتصر على نتائجها، بل تمثلت أيضاً في المنهجية التي أرستها، إذ شكلت أول محاولة حديثة في لبنان لصياغة السياسات العامة استناداً إلى الأدلة والبيانات والتحليل المنهجي، وهو النهج الذي أصبح لاحقاً من المبادئ الأساسية للإدارة الحديثة في مختلف دول العالم.

وقال التقرير إن عهد شهاب، واستناداً إلى توصيات البعثة، أطلق برنامجاً واسعاً للإصلاح الإداري والمؤسساتي، شمل إنشاء مجلس الخدمة المدنية، وهيئة التفتيش المركزي، وديوان المحاسبة بصيغته الحديثة، إلى جانب وضع اللبنات الأولى للمؤسسات التي تطورت لاحقاً إلى مجلس الإنماء والإعمار. كما وسعت الدولة خدمات التعليم والصحة والتنمية في المناطق التي عانت تاريخياً من التهميش، في إطار سياسة هدفت إلى تعزيز قدرات الدولة وتحقيق تنمية وطنية أكثر عدالة.

ورأى التقرير أن طموح شهاب كان يتمثل في بناء دولة قوية وعادلة، تحكمها سيادة القانون والمؤسسات، لا العلاقات الشخصية أو المحسوبيات أو الانتماءات الطائفية، ولذلك ارتبطت "الشهابية" ارتباطاً وثيقاً بمفهوم "الدولة التنموية"، التي تنظر إلى الإدارة العامة باعتبارها محركاً للتحول الاقتصادي والاجتماعي.

وأشار التقرير إلى أنه بعد أكثر من نصف قرن، واجهت السعودية مجموعة مختلفة تماماً من التحديات، سواء من حيث الحجم أو الطبيعة، فعلى خلاف لبنان أواخر خمسينيات القرن الماضي، كانت المملكة تمتلك مؤسسات دولة راسخة وموارد اقتصادية ضخمة، لكنها كانت في الوقت نفسه أمام ضرورة استراتيجية تفرض عليها التكيف مع اقتصاد عالمي سريع التغير، وتقليص اعتمادها التاريخي على عائدات النفط، وتعزيز قدرتها على المنافسة في عالم يقوده الابتكار التكنولوجي والاستثمار وتنويع مصادر الدخل.

وفي هذا السياق، أوضح التقرير أن "رؤية السعودية 2030"، بقيادة ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، برزت كاستراتيجية وطنية شاملة لإعادة هيكلة الاقتصاد والمجتمع والدولة، وتابع: "إذا كانت الشهابية قد سعت إلى إرساء أسس الدولة اللبنانية الحديثة، فإن رؤية 2030 تهدف إلى إعداد المملكة لمرحلة ما بعد النفط من خلال إعادة صياغة نموذجها الاقتصادي والمؤسساتي".

وأكد التقرير أن التحول الاقتصادي الذي شهدته المملكة خلال السنوات الأخيرة كان كبيراً، إذ ارتفعت مساهمة القطاعات غير النفطية في الاقتصاد الوطني بشكل متواصل، بالتوازي مع استثمارات ضخمة في قطاعات السياحة، والتكنولوجيا، والترفيه، والخدمات اللوجستية، والطاقة المتجددة. كذلك، ارتفع حجم الاستثمار الأجنبي المباشر، وأسهمت الإصلاحات الرامية إلى تحسين بيئة الأعمال في تعزيز تنافسية المملكة وجاذبيتها للمستثمرين الدوليين.

وأضاف أن التحول الاجتماعي كان بالقدر نفسه من الأهمية، إذ ارتفعت مشاركة المرأة في سوق العمل بصورة ملحوظة، فيما شهدت القطاعات الثقافية والفنية والرياضية توسعاً غير مسبوق، وأصبحت الخدمات الحكومية أكثر اعتماداً على الرقمنة، إلى جانب توفير فرص جديدة للشباب السعودي في مجالات التعليم وريادة الأعمال والابتكار، في إطار رؤية تعتبر تنمية رأس المال البشري محركاً أساسياً للتنمية الوطنية.

ولفت التقرير إلى أن أحد أبرز أبعاد التحول في السعودية تمثل في التحديث الشامل للمنظومة التشريعية والقانونية، وهو ما عزز اليقين القانوني، ورفع مستوى الثقة العامة، ووضع قواعد أكثر وضوحاً لتنظيم العلاقات المدنية والاقتصادية.

وأوضح أن تشريعات بارزة، من بينها نظام المعاملات المدنية، ونظام الأحوال الشخصية، ونظام الإثبات، والنظام الجزائي للعقوبات التعزيرية، أسهمت في تحديث النظام القانوني عبر توحيد المرجعيات القانونية، وتعزيز حماية الحقوق، وتحسين كفاءة القضاء وقابليته للتنبؤ بالأحكام.

وأوضح أن هذه الإصلاحات القانونية ترافقت مع سياسات طموحة في قطاعي الإسكان والعقارات، حيث رفع برنامج "سكني" نسبة تملك المواطنين السعوديين للمساكن إلى أكثر من 70%، فيما أسهمت الأنظمة العقارية الجديدة في تحديث إدارة القطاع من خلال وضع قواعد أكثر وضوحاً للملكية المشتركة وتنظيم تملك الأفراد والمستثمرين الأجانب للعقارات.

ورأى التقرير أن هذه المبادرات مجتمعة تعكس فلسفة تنموية تعتبر أن النمو المستدام لا يعتمد فقط على المشاريع الاقتصادية الكبرى، بل أيضاً على وجود بنية قانونية مستقرة تكرّس سيادة القانون، وتحمي الحقوق، وتوفر بيئة واضحة وقابلة للتنبؤ للاستثمار والتنمية طويلة الأمد.

وأشار إلى أنه في مجال الإدارة العامة، تبنت السعودية نموذجاً للحوكمة يقوم على قياس الأداء، والتقييم المستمر، والتحول الرقمي، بحيث أصبحت عملية صنع القرار تعتمد بصورة متزايدة على تحليل البيانات، والتخطيط الاستراتيجي، ومتابعة مؤشرات الأداء بشكل دقيق.

وبحسب التقرير، فإنه رغم اختلاف السياق التاريخي والمؤسساتي عن تجربة لبنان، فإن هذا النهج، بحسب التقرير، يعكس الروح الإصلاحية نفسها التي قادت رؤية فؤاد شهاب، والقائمة على أن الإدارة الفاعلة تتطلب مؤسسات كفوءة، وسياسات تستند إلى الأدلة، ودولة قادرة على تحويل الطموحات الوطنية بعيدة المدى إلى نتائج قابلة للقياس.

وأكد التقرير أن أهمية التجربة السعودية لا تقتصر على حجم الإصلاحات التي أُطلقت، بل تمتد أيضاً إلى طبيعة القيادة التي تقود هذا التحول، مشيراً إلى أن التاريخ السياسي يثبت أن مشاريع الإصلاح الكبرى تحتاج إلى أكثر من الموارد المالية والخطط الاستراتيجية والمؤسسات القوية، إذ تتطلب أيضاً قيادة قادرة على إقناع المجتمع بقيمة التغيير، وحشد الطاقات الجماعية حول رؤية مشتركة للمستقبل.

أخبار ذات صلة

0 تعليق