Advertisement
ففي هذه اللحظة، التي وصفت بالتاريخية، أُعيد لبنان إلى موقعه الطبيعي، وهو الذي كانت له اسهامات غير منسيّة في وضع ميثاق الأمم المتحدة على يد شارل مالك، وهو ارتبط اسمه بما حقّقه اللبنانيون من إنجازات في كل أقطار المسكونة.
وعليه، لم يعد السؤال في بيروت اليوم يتمحور فقط حول مضمون اللقاءات التي عقدها المسؤولون اللبنانيون مع الإدارة الأميركية، ولا حول الرسائل التي حملتها زيارة رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون إلى واشنطن، بل حول ما إذا كان لبنان قد دخل فعلاً مرحلة جديدة عنوانها الانتقال من التفاهمات إلى التنفيذ.
ففي السياسة، لا تقاس أهمية الزيارات الخارجية بما يصدر عنها من بيانات وتصريحات، بل بما يليها من خطوات عملية. ومن هنا، فإن المرحلة المقبلة ستكون اختبارًا حقيقيًا لقدرة لبنان على ترجمة الانفتاح الدولي إلى إجراءات ملموسة، سواء على المستوى الأمني أو الاقتصادي أو الدبلوماسي.
في مقدمة الملفات التي يُنتظر أن تشهد تطورات، يأتي ملف دعم الجيش . فالتأكيد الأميركي على أهمية المؤسسة العسكرية لا يُقرأ فقط من زاوية المساعدات والتجهيز، بل في إطار رؤية أوسع تعتبر الجيش الركيزة الأساسية لتعزيز سلطة الدولة وحماية الاستقرار. لكن التحدي لا يكمن في حجم الدعم فقط، بل في كيفية توظيفه ضمن خطة واضحة ترفع من قدرة الجيش على القيام بمهامه.
ومن هنا، فإن أي دعم خارجي سيبقى مرتبطًا بسؤال أساسي: هل يستطيع لبنان أن يوفر البيئة السياسية والمؤسساتية التي تسمح بتحويل المساعدات إلى قوة فعلية للدولة؟
أما الملف الثاني، فيرتبط بالإصلاحات. فواشنطن، كما العواصم الغربية والعربية، لا تنظر إلى لبنان من زاوية المساعدات فقط، بل تربط أي انفتاح واسع بقدرة الدولة اللبنانية على تنفيذ إصلاحات طال انتظارها، وإعادة بناء الثقة بالاقتصاد والمؤسسات.
وفي البعد السياسي، تبدو المرحلة المقبلة مرتبطة بقدرة لبنان على تثبيت مبدأ أن القرار الوطني يصدر من المؤسسات الرسمية. وهذا لا يعني بالضرورة حلولًا فورية لكل الملفات الخلافية، لكنه يعني أن الدولة مطالبة بإظهار قدرتها على إدارة الملفات السيادية، وأن تكون المرجعية الأساسية في أي تفاهمات داخلية أو خارجية.
كذلك، فإن إعادة ترتيب العلاقات اللبنانية مع المحيط العربي والدولي ستكون جزءًا من هذا المسار. فالانفتاح على الرياض وواشنطن وأنقرة ودمشق، إذا اكتمل، يمكن أن يشكل فرصة لإعادة لبنان إلى موقع مختلف، لكن بشرط أن يرافقه أداء داخلي قادر على الاستفادة من هذه الفرصة.
غير أن الانتقال إلى مرحلة التنفيذ لن يكون سهلًا. فلبنان لا يزال يحمل أزمات متراكمة، وهناك قوى سياسية لها حساباتها ومخاوفها، كما أن الملفات الإقليمية الكبرى لم تصل بعد إلى خواتيمها. لذلك، فإن أي مسار جديد يحتاج إلى إدارة دقيقة تمنع تحويل الفرصة الدولية إلى سبب جديد للانقسام الداخلي.
الاختبار الحقيقي يبدأ الآن. فبعد مرحلة الرسائل السياسية، يأتي وقت الأفعال: ماذا سيحصل في ملف الجيش؟ ما الإصلاحات التي ستُقر؟ كيف ستُدار الملفات الأمنية والسيادية؟ وهل تستطيع الدولة اللبنانية أن تثبت أنها شريك قادر على تحمل مسؤولياته؟
فالولايات المتحدة قد تفتح الأبواب، والعواصم العربية والدولية قد تبدي استعدادها للمساعدة، لكن القرار في النهاية يبقى لبنانيًا. والمرحلة المقبلة ستكشف ما إذا كان لبنان أمام بداية تحول حقيقي، أم أمام جولة جديدة من الوعود التي تنتظر التنفيذ.







0 تعليق