Advertisement
ونظرًا إلى حساسية هذا القانون ودقته في ظل الظروف الضاغطة، عُقد اليوم لقاء في القصر الجمهوري،رأسه رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون، وضم وزير الدفاع الوطني اللواء ميشال منسى، وعددًا من النواب من مختلف الكتل النيابية، بهدف تسريع المسار القانوني لهذا الملف الشائك، الذي يتطلب التعاطي معه الكثير من الحكمة والتعقل وبعد النظر، وبالتالي التعالي عما يمكن أن يشكّل مادة خلافية جديدة بين اللبنانيين.
وعلم "لبنان٢٤" أن لقاء بعبدا كان ايجابيا لناحية مقاربة الموضوع من زواياه المختلفة، مع ابداء الحرص على أن يكون إقرار القانون بصيغة توافقية، مع تضييق هامش الخلافات.
وكشفت مصادر مطلعة ل "لبنان ٢٤" أن رئيس الجمهورية كان متفهما لكل الهواجس، وأبدى استعداده الكامل لوصول القانون إلى خواتيمه المرجوة بما يخدم المصلحة العامة، التي تبقى فوق كل اعتبار.
وفي اعتقاد بعض المتابعين أنه لو لم يكن هذا الموضوع بهذه الدقة والحساسية لما عُقد هذا الاجتماع يوم أحد، وهو اليوم الذي يسبق الاجتماع الحاسم للجان المشتركة المدعوة إلى الإسراع في اتخاذ قرار جريء وحاسم قبل إحالة مشروع قانون العفو على الهيئة العامة لمناقشته وإقراره بالصيغة الملائمة، والتي من شأن إقرارها بالطريقة الفضلى رفع المظلومية عن عدد كبير من المسجونين.
فالاختلاف في وجهات النظر كثيرة ومن بينها بالطبع ما له علاقة بتوصيف وتفاصيل الاستثناءات من العفو في مواضيع عديدة، أكان بالنسبة إلى الجرائم الإرهابية التي أدى الخلاف حولها، الى اعتراض وزير الدفاع وخروجه من الجلسة قبل الأخيرة ثم عودته إليها، من دون التوصل الى حسم هذا الموضوع. وايضا بالنسبة إلى موضوع المخدرات وتعريف التجار والمروجين. وهناك ايضا خلافات حول تخفيض العقوبات واحتساب احكام الإعدام بين مَن يريد أن تصبح 25 سنة سجنية، ومَن يريدها 20، وآخرين 15. وهناك خلاف مماثل حول تخفيض أحكام المؤبد، واحتسابها على اساس 20 او 15 سنة سجنية.
إلاّ أن هذه الخلافات أو الاختلافات في وجهات النظر يجب ألاّ تحجب الأنظار عن أهمية إقرار هذا القانون، وما له من انعكاسات إيجابية على أرض الواقع.
وفي موازاة النقاش التقني الدقيق الذي يدور داخل اللجان النيابية، تبرز في الكواليس السياسية مقاربة مختلفة تعتبر أن قانون العفو العام لم يعد مجرد مادة خلافية بين الكتل، بل تحوّل إلى ملف اجتماعي – أمني – قضائي متكامل، يرتبط مباشرة بالاستقرار الداخلي وبإعادة ترميم الثقة بين المواطن والدولة، خصوصًا في ظل الانهيار الذي أصاب مؤسسات العدالة خلال السنوات الأخيرة.
وبحسب أوساط مطّلعة على أجواء الاتصالات الجارية، فإن الدفع في اتجاه إقرار هذا القانون لا ينطلق فقط من اعتبارات سياسية أو نيابية، بل من حاجة فعلية وملحّة لتخفيف الضغط عن السجون اللبنانية التي تعاني من اكتظاظ غير مسبوق، حيث تتجاوز أعداد الموقوفين القدرة الاستيعابية بكثير، في ظل بطء الإجراءات القضائية ونقص الكادر القضائي والإداري.
وتشير هذه الأوساط إلى أن إقرار صيغة متوازنة من قانون العفو قد يشكّل "مخرجًا إنسانيًا" من واقع مأزوم، عبر إعادة دمج عدد من الموقوفين الذين لم تصدر بحقهم أحكام مبرمة، أو الذين أمضوا سنوات طويلة في التوقيف الاحتياطي من دون محاكمات ناجزة، وهو ما يُعتبر في العديد من التقارير الحقوقية خللًا بنيويًا في مسار العدالة.
كما يُنظر إلى هذا القانون من زاوية أوسع تتصل بإعادة خفض منسوب الاحتقان الاجتماعي في عدد من المناطق اللبنانية، حيث ساهمت الملفات القضائية العالقة في خلق بيئة من التوتر داخل بعض العائلات والبيئات المحلية، ما جعل من العفو العام، وفق توصيف بعض النواب، فرصة لإعادة "تدوير العلاقة بين الدولة ومواطنيها" على أسس أكثر استقرارًا.
وفي السياق نفسه، تربط مصادر سياسية بين التقدّم الحاصل في النقاش وبين رغبة مشتركة لدى عدد من المرجعيات الرسمية في تمرير هذا القانون ضمن سلة إصلاحات أوسع، تهدف إلى تخفيف الضغط عن الجسم القضائي، وإعادة تحريك الملفات المتراكمة، بما يسمح بإعادة الانتظام التدريجي للعمل القضائي في البلاد.
لكن في المقابل، لا تغيب المخاوف من أن يؤدي التوسع في الاستثناءات أو تضييقها بشكل مفرط إلى إفراغ القانون من مضمونه، أو إلى فتح باب سجالات سياسية جديدة داخل الهيئة العامة، خصوصًا في ظل حساسية بعض العناوين المرتبطة بالإرهاب والمخدرات والجرائم الكبرى، والتي لا تزال موضع تباين واضح بين الكتل النيابية.
وعلى رغم ذلك، تتحدث أجواء نيابية عن أن مناخًا من "البراغماتية المشروطة" بدأ يطغى على النقاشات، حيث يُسجّل ميل متزايد لدى عدد من الأطراف إلى إنضاج تسوية وسطية، تُراعي الهواجس الأمنية والقضائية من جهة، وتستجيب في الوقت نفسه للبعد الإنساني والاجتماعي الملحّ من جهة ثانية.
وفي حال نجحت هذه المقاربة، فإن إقرار قانون العفو العام قد يشكّل محطة مفصلية على أكثر من مستوى، ليس فقط لجهة تخفيف الاكتظاظ في السجون وإعادة النظر في ملفات عالقة منذ سنوات، بل أيضًا لجهة إعطاء إشارة سياسية إلى إمكانية إنتاج تسويات داخلية في ملفات شائكة أخرى، لطالما شكّلت مصدر انقسام بين القوى السياسية.
وعليه، يبدو أن الأيام القليلة المقبلة ستكون حاسمة في تحديد مصير هذا القانون، بين مسار تسوية متدرجة تفتح الباب أمام إقراره، أو عودة الخلافات التفصيلية لتجميد النقاش مجددًا، ما يعني إبقاء هذا الملف مفتوحًا على المجهول، في انتظار نضوج تسوية سياسية أوسع.











0 تعليق