في هذا السياق، تتجه الأنظار إلى يوم الخميس، حيث يفترض أن تستضيف وزارة الخارجية الأميركية في واشنطن اجتماعاً ثانياً بين سفيري لبنان وإسرائيل، يُرجّح أن يتركّز على تمديد الهدنة وترتيب آليات المرحلة المقبلة. وتأتي هذه المفاوضات في ظل ضغوط دولية لتثبيت الاستقرار على الحدود الجنوبية ومنع أي تصعيد قد يطيح بالتهدئة الهشّة.
في المقابل، تبدو فكرة عقد لقاء في البيت الأبيض يجمع رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مستبعدة، نظراً لتداعياتها المحتملة على التوازنات الداخلية، وبفعل نصائح عربية دعت إلى تجنب هذه الخطوة في المرحلة الراهنة. وعليه، يجري العمل على تنسيق المواقف عبر القنوات الدبلوماسية، حيث أوفد الرئيس عون، بحسب مصادر سياسية، مستشاره ديدي رحال إلى كل من الرياض والقاهرة في إطار متابعة المستجدات على مستوى المنطقة وتعزيز التنسيق السياسي وبحث آفاق المرحلة المقبلة، بالتوازي مع اتصالات أجراها مع ولي العهد السعودي محمد بن سلمان والرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، بعدما كان رئيس مجلس النواب نبيه بري قد سبق وتحرك باتجاه السعودية موفداً معاونه النائب علي حسن خليل، في سياق دعم المسار الأميركي–الإيراني وضرورة البناء عليه.
هذا الحراك يضع السعودية في موقع عامل التوازن أكثر منه طرفاً مباشراً، إذ تسعى إلى احتواء التداعيات ومنع الانفجار عبر ثلاثة عناوين أساسية: دعم مؤسسات الدولة، تشجيع التهدئة، ومواكبة الاتصالات الدولية من دون الانخراط في تسويات لا تحفظ اتفاق الطائف. وفي المقابل، لا تزال الرياض تربط أي انخراط مالي أو سياسي واسع بنتائج التفاهم الأميركي–الإيراني، وترفض منح غطاء لأي تسوية تبقي السلاح خارج إطار الدولة.
بالتوازي، تعمل السعودية على توثيق علاقاتها مع كل من تركيا وباكستان ومصر، في إطار بناء شبكة توازنات إقليمية موازية. وتلتقي الرياض والقاهرة، بحسب مصادر سياسية، عند نقطة أساسية تتمثل في رفض ذهاب لبنان نحو التطبيع مع إسرائيل أو الدخول في اتفاق سلام شامل معها. في المقابل، تدعم الدولتان مسار مفاوضات محدودة تهدف إلى تثبيت الأمن والوصول إلى تفاهمات تقنية، أو العودة إلى قرارات سابقة، لا سيما القرار 1701. كما يبرز تنسيق مستمر بين مصر والسعودية لطرح أفكار تعزز سلطة الدولة اللبنانية وحصرية السلاح على كامل أراضيها.
ويبدو أن هناك انسجاماً لدى بعض القوى السياسية مع المواقف السعودية والمصرية ، حيث عاد رئيس مجلس النواب نبيه بري ليكرّس موقفه الداعم للتفاوض غير المباشر، مستنداً إلى تجارب سابقة مع موفدين أميركيين، أبرزهم آموس هوكشتاين في ملف ترسيم الحدود البحرية، والتي أفضت إلى اتفاق، إضافة إلى معالجة معظم النقاط الخلافية على الخط الأزرق، ضمن الإطار الذي أُرسي خلال التحضير للقرار 1701. كذلك، برز موقف الرئيس السابق للحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط الذي قال: «بالنسبة لي وللرئيس بري، فإن أقصى ما يمكن أن نقدمه كلبنان هو العودة إلى اتفاق الهدنة مع تطوير معين، فلا بد من صيغة جديدة»، مشدداً على ضرورة إطلاق مفاوضات واضحة بجدول أعمال محدد يرتكز على الانسحاب واستعادة الأراضي، في ظل محنة كبرى تمر بها البلاد.
في المحصلة، يقف لبنان عند تقاطع مسارات إقليمية ودولية معقدة: تهدئة مؤقتة ترعاها واشنطن، حذر إيراني تحت وطأة الحصار، دور سعودي يوازن من دون انخراط مباشر، ومفاوضات لبنانية–إسرائيلية محكومة بسقوف دقيقة، إضافة إلى ما قد تُفضي إليه مفاوضات إسلام آباد بين واشنطن وطهران، ما يجعل المرحلة المقبلة مفتوحة على احتمالات متعددة بين التهدئة والتصعيد.









0 تعليق