شكل جديد للانقسام في لبنان

لبنان24 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف
الانقسام السياسي القائم في لبنان لم يعد مجرد تباين تقليدي في المواقف، بل بدأ يوحي بوضوح بأن تغييرات جدية تطرأ على طبيعة التموضعات داخل المسرح السياسي. فالمشهد الداخلي لم يعد محكوماً فقط بالتوازنات المحلية، بل بات انعكاساً مباشراً لتحولات إقليمية ودولية تتسارع وتفرض على القوى اللبنانية إعادة حساباتها وتحديد مواقعها بدقة أكبر.

في هذا السياق، يبدو أن رئيس الجمهورية جوزاف عون حسم موقعه إلى حد بعيد داخل هذا الصراع، حيث بات يظهر كرأس حربة في التقاطع مع توجهات الرئيس الأميركي دونالد ترامب. هذا التموضع لم يأتِ من فراغ، بل ترافق مع مؤشرات متزايدة على وجود خلافات جدية بدأت تطفو على السطح بين ترامب وعدد من دول الخليج، ما أعاد خلط الأوراق داخل المنطقة، وفتح الباب أمام سيناريوهات لم تكن مطروحة قبل فترة قصيرة.

وبين واشنطن وطهران، يبرز دور أربع دول أساسية تحاول أن تلعب دور الموازن الإقليمي، وهي مصر والسعودية وباكستان وتركيا. هذه الدول، رغم اختلاف مصالحها وتوجهاتها، تبدو متفقة على نقطة أساسية تتمثل في عدم السماح بسقوط المنطقة بالكامل تحت النفوذ الإسرائيلي، حتى لو كان ذلك يتم بغطاء أميركي مباشر أو غير مباشر. هذا التلاقي في المصالح لا يعني بالضرورة وجود محور موحد، لكنه يعكس وجود خطوط حمراء مشتركة تتعلق بتوازن القوى في الشرق الأوسط.

على ضوء هذه المعطيات، بات الاصطفاف داخل لبنان يتجه نحو انقسام واضح بين ثلاثة محاور على الأقل. هناك محور يدور في الفلك الأميركي، وآخر يرتبط بشكل مباشر بالمحور الإيراني، وثالث يتصل بالمحور السعودي ـ الخليجي.

 هذا الانقسام لا يقتصر على الخطاب السياسي، بل بدأ ينعكس في طبيعة التحالفات، وفي لغة التصعيد أو التهدئة التي تعتمدها القوى المختلفة في مقاربتها للملفات الداخلية.

في المقابل، تبرز في الآونة الأخيرة إشارات إيجابية بين إيران وحلفائها من جهة، والرياض من جهة أخرى. هذه الإشارات، وإن كانت لا تزال في إطار الرسائل غير المباشرة أو التفاهمات الجزئية، إلا أنها قد تفتح المجال أمام تقاطعات في أكثر من ساحة، سواء في لبنان أو في ملفات إقليمية أخرى. ومع ذلك، من غير المتوقع أن تؤدي هذه التقاطعات إلى صدام مباشر بين السعودية والولايات المتحدة، إذ إن العلاقة الاستراتيجية بين الطرفين لا تزال تشكل مظلة أساسية لضبط إيقاع الخلافات ومنع تحولها إلى مواجهة مفتوحة.

كل هذه المؤشرات تجعل من الساحة اللبنانية مرآة دقيقة لتحولات أكبر، حيث لم يعد ممكناً قراءة ما يجري في الداخل بمعزل عن التبدلات الإقليمية، ولا تجاهل أن المرحلة المقبلة قد تحمل إعادة رسم واضحة لخريطة الاصطفافات السياسية داخل لبنان.

 

 

 

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق