من محطات التفاوض السابقة المتصلة باتفاق الهدنة عام 1949، إلى تفاهم نيسان 1996، مروراً بالقرار 1701 عام 2006 وترسيم الحدود البحرية عام 2022، ظلّ القاسم المشترك هو الابتعاد عن أي مسار تفاوضي مباشر ذي طابع سياسي. في حين أن تجربة 17 أيار 1983 مثّلت أول محاولة للتفاوض المباشر، قبل أن تتعثر سريعاً بفعل الانقسام الداخلي والرفض الواسع. ويبدو أن مسار نيسان 2026 يقترب، من حيث الشكل، من تلك التجربة، رغم اختلاف السياقات والأهداف والظروف المحيطة بكل منهما.
ويقول المحامي والأستاذ الجامعي الدكتور عادل يمين، في حديث إلى "لبنان24"، إن في لبنان منظومة قانونية واضحة وصارمة تجرّم التواصل أو التفاوض مع إسرائيل، سواء كان ذلك بشكل مباشر أو غير مباشر، وتشمل هذه المنظومة القوانين التالية:
1- قانون مقاطعة إسرائيل (الصادر في 23 حزيران 1955):
المادة الأولى: تحظر على كل شخص طبيعي أو معنوي أن يعقد، بالذات أو بالواسطة، اتفاقاً مع هيئات أو أشخاص مقيمين في إسرائيل أو لمصلحتها، متى كان موضوع الاتفاق صفقات تجارية أو عمليات مالية أو أي تعامل آخر، أياً كانت طبيعته. كما تُعتبر الشركات والمؤسسات الوطنية والأجنبية التي لها مصانع أو فروع تجميع أو وكالات عامة في إسرائيل في حكم الهيئات والأشخاص المحظور التعامل معهم، بحسب ما يقرره مجلس الوزراء بقرار يُنشر في الجريدة الرسمية.
المادة السابعة: تعاقب كل من يخالف أحكام المادتين الأولى والثانية بالأشغال الشاقة المؤقتة من ثلاث إلى عشر سنوات، وبغرامة من خمسة آلاف ليرة إلى أربعين ألف ليرة لبنانية. ويمكن أن يُحكم عليه أيضاً بالمنع من مزاولة العمل وفقاً للمادة 94 من قانون العقوبات.
المادة الثانية: تحظر دخول البضائع والسلع والمنتجات الإسرائيلية بأنواعها كافة إلى لبنان، وتبادلها أو الاتجار بها، وكذلك السندات المالية وغيرها من القيم المنقولة الإسرائيلية.
2- قانون العقوبات اللبناني (مرسوم اشتراعي رقم 340/1943):
المادة 285: يعاقب بالحبس سنة على الأقل وبغرامة لا تنقص عن مائتي ألف ليرة لبنانية، كل لبناني وكل شخص ساكن في لبنان أقدم أو حاول أن يقدم، مباشرة أو بواسطة شخص مستعار، على صفقة تجارية أو أي صفقة شراء أو بيع أو مقايضة مع أحد رعايا العدو أو مع شخص ساكن بلاد العدو.
المادة 286: يستحق العقاب ذاته من ساهم في قرض أو اكتتاب لمنفعة دولة معادية أو سهل أعمالها المالية بأي وسيلة.
المادتان 274 و275: تجرّمان الاتصال بدولة أجنبية أو بالعدو بهدف دفعها إلى العدوان على لبنان أو معاونتها بأي وجه كان، وتصل العقوبة إلى الأشغال الشاقة المؤبدة أو الإعدام إذا أدى الفعل إلى نتيجة.
وبناءً عليه، وبموجب القوانين اللبنانية، يُعدّ التواصل أو التفاوض أو أي تعامل مع إسرائيل، أو مع أي من رعاياها أو الشركات المرتبطة بها، جريمة جزائية يُعاقب عليها القانون، وتصل العقوبات إلى الأشغال الشاقة المؤقتة أو المؤبدة، إضافة إلى الغرامات والمنع من مزاولة العمل. كما أن المحاكم العسكرية هي المختصة بالنظر في هذه الجرائم.
أمام ذلك، يُطرح السؤال الأساسي اليوم: ما الشرط الذي يجب توافره قبل الدخول في مفاوضات مباشرة مع إسرائيل؟
بالاستناد إلى القوانين اللبنانية النافذة، وتحديداً قانون مقاطعة إسرائيل الصادر في 23 حزيران 1955، وبحسب ما يؤكد الدكتور يمين، فإن التواصل أو التفاوض أو أي تعامل مع إسرائيل محظور بشكل مطلق على كل شخص طبيعي أو معنوي، ويُعتبر جريمة يُعاقب عليها القانون. ولا يوجد في النصوص القانونية اللبنانية أي استثناء يجيز التفاوض المباشر مع إسرائيل، إلا في حال صدور قانون خاص أو تعديل تشريعي يرفع الحظر أو يجيز ذلك بشكل صريح.
ويشير إلى أن قانون مقاطعة إسرائيل ينص بشكل واضح في مادته الأولى على حظر أي اتفاق أو تعامل "أياً كانت طبيعته"، ما يعني أن المفاوضات السياسية أو الدبلوماسية المباشرة مع إسرائيل تقع ضمن نطاق الحظر، ما لم يصدر نص قانوني خاص يجيز ذلك صراحة.
وسط ما تقدم، تبرز مخاطر قانونية قد يتعرض لها المسؤولون في حال إجراء مفاوضات. ويقول يمين في هذا السياق إن هناك مخاطر جدية تتمثل في الملاحقة والتجريم وإنزال العقوبات المنصوص عليها في قانون مقاطعة إسرائيل وقانون العقوبات، إذ لا يوجد أي استثناء للمسؤولين الرسميين من هذا الحظر.
وأمام ذلك، يطرح البعض ضرورة وجود "غطاء تشريعي واضح". ويُقصد به وجود نصوص قانونية صريحة ومحددة تُجيز أو تنظّم فعلاً معيناً، مثل التفاوض أو التواصل مع دولة محددة، وتحدد شروطه وضوابطه والجهة المخولة بذلك. لكن، في السياق اللبناني، لا يمكن أن يكون هذا الغطاء إلا عبر صدور قانون يجيز التفاوض مع إسرائيل ويحدد حدوده.
أما في حال غياب إطار قانوني واضح، أي مع استمرار الحظر التشريعي القائم، فإن أي مسار تفاوضي يُعد مخالفاً للقانون اللبناني، ويعرّض القائمين عليه للملاحقة الجزائية والعقوبات المنصوص عليها. وبالتالي، فإن أي تفاوض يجري دون غطاء تشريعي واضح يُعد باطلاً من الناحية القانونية ويفتقر إلى الشرعية.
في المقابل، فإن التوفيق بين الضرورات السياسية والقيود القانونية يتطلب اتباع المسار الدستوري السليم. فإذا افترضنا، جدلاً، وجود ضرورة للتفاوض، فلا يمكن أن يتم ذلك من دون قانون يجيز هذا الأمر.
وبحسب المادة 52 من الدستور اللبناني، يتولى رئيس الجمهورية التفاوض في عقد المعاهدات الدولية وإبرامها بالاتفاق مع رئيس الحكومة، ولا تصبح المعاهدة مبرمة إلا بعد موافقة مجلس الوزراء. أما المعاهدات التي تتعلق بمالية الدولة أو المعاهدات التجارية أو تلك التي لا يجوز فسخها سنة فسنة، فلا يمكن إبرامها إلا بعد موافقة مجلس النواب.
وهذا يعني أن السلطة التشريعية (مجلس النواب) تضطلع بدور أساسي في إضفاء الشرعية النهائية على أي معاهدة، ولا سيما تلك ذات الطابع المالي أو التجاري أو الطويل الأمد. كما أن المفاوضات لا يجوز أن تبدأ قبل صدور قانون يجيزها، ما يقتضي تعديل أو إلغاء قانون مقاطعة إسرائيل أو إصدار قانون خاص.
ويشدد يمين على أن النصوص الجزائية اللبنانية المتعلقة بالتعامل مع العدو تتسم بطابع صارم وواضح، وتُحدّد الأفعال المجرّمة بدقة. كما أن مفهوم "المصلحة الوطنية" لا يمكن أن يُستخدم لتجاوز نص قانوني نافذ، إذ إن أي استثناء يجب أن يصدر بنص تشريعي صريح.
وعلى الرغم من وجود نظرية "حالة الضرورة" في الفقه الدستوري، فإنها تخضع لشروط صارمة، ولا يمكن استخدامها لتبرير أفعال تُعد جرائم جزائية، كما يجب أن تكون مؤقتة ومتناسبة مع الخطر، وتخضع لرقابة السلطات المختصة.
وعليه، يبقى الالتزام بالقانون، خصوصاً في الظروف السياسية الحساسة، حجر الزاوية في حماية الدولة ومؤسساتها، وضمان الحقوق والحريات العامة، ومنع الانزلاق نحو الفوضى أو الاستنسابية في اتخاذ القرارات، وتعزيز ثقة المواطنين بالدولة ومؤسساتها.
Advertisement











0 تعليق