لبنان الخاسر الأكبر. ويكاد يكون الخاسر الوحيد في حرب رفضها منذ اليوم الأول، ولا يزال. وربما سيكون الخاسر الوحيد في اتفاقات الآخرين. وعلى رغم موافقة الرئيس الأميركي دونالد ترامب على وقف العمليات العسكرية ضد إيران، أشعلت إسرائيل الجبهة اللبنانية في يوم أسود دامٍ وحزين، وذلك تأكيدًا لعدم شمول لبنان بما تم التوافق عليه بالنسبة إلى الوضع في إيران. وما حصل في يوم "الأربعاء الأسود" دليل قاطع على أن ما هو آتٍ قد يكون أسوأ بكثير مما فات. لأن تفاوض "الذئب والحمل" تحت سقف واحد لن يؤدّي سوى إلى فرض من يعتبر نفسه "الأقوى" شروطه على من يُعتَبَر "الأضعف"، خصوصًا بعدما فُصل جنوب الليطاني عن الوطن.
وعلى رغم هذا الألم الكبير والواقع المفروض بقوة النار والبارود لا يزال اللبنانيون يؤمنون بأن لكل حرب نهاية، مع ما تتركه وراءها من مآسٍ إنسانية لا توصف. ومع نهاية كل حرب هناك غالب ومغلوب، على عكس الشعار، الذي رفعه الرئيس صائب سلام أثناء الحرب اللبنانية "لا غالب ولا مغلوب". فالغالب عادة في هذه الحرب هو من يفرض شروطه على المغلوب، الذي يجد نفسه لا حول له ولا قوة ومن دون معين، فيضطّر للقبول بما يُفرض عليه من شروط قد لا تتناسب مع وضعيته الظرفية. وهذا ما حصل في اتفاق وقف إطلاق النار بين إسرائيل و"حزب الله" في 27 تشرين الثاني من العام 2024 بعد حرب اسناد غزة، والتي ذهب ضحيتها الأمينان العامان لـ "الحزب" السيدان حسن نصرالله وهاشم صفي الدين، والتي أدّت إلى تدمير جزئي أو كلي لبلدات وقرى الحافة الأمامية، ووضع إسرائيل يدها على خمس تلال استراتيجية، وفرضت حصر السلاح في يد القوى اللبنانية الشرعية فقط دون غيرها من قوى الأمر الواقع.
ومع عودة الحديث عن حتمية إجراء مفاوضات ثنائية لبنانية – إسرائيلية برعاية أميركية يعود إلى الأذهان اتفاق 17 أيار 1983، وكأن التاريخ قد يعيد نفسه. لكن السؤال الذي يُطرح اليوم ليس إن كان لبنان سيوقّع اتفاقًا شبيهًا باتفاق 17 أيار، بل إن كانت الظروف الإقليمية والدولية تسمح أصلًا باتفاق من هذا النوع.
فاتفاق 17 أيار وُضع في ظروف مختلفة تمامًا عن ظروف اليوم. يومها كان الجيش الإسرائيلي يحتّل بيروت، وكان لبنان يعيش انقسامًا داخليًا كبيرًا، وكانت الولايات المتحدة تضغط بقوة لفرض ترتيبات سياسية وأمنية في المنطقة، فيما كانت سوريا ترفض الاتفاق وتعمل على إسقاطه، وهو ما حصل لاحقًا. أي أن الاتفاق وُلد في زمن الاحتلال المباشر، وسقط عندما تغيّرت موازين القوى.
أما اليوم، فالوضع مختلف. إسرائيل لا تريد احتلال لبنان، على ما تدّعي، كما فعلت في العام 1982، ولبنان لا يستطيع، حتى هذه اللحظة، توقيع اتفاق سلام، و"حزب الله" لا يزال موجودًا كقوة عسكرية أساسية، على رغم ما يتعرّض له من ضربات، فيما إيران تحاول الإيحاء بانها لا تزال اللاعب المباشر والأقوى في المعادلة، والولايات المتحدة والمجتمع الدولي يضغطان على لبنان لكي يوقع اتفاق سلام مع إسرائيل، انطلاقًا من روحية اتفاق الهدنة والقرار 1701 وضمان الهدوء على الحدود الشمالية لإسرائيل.
في الواقع، ما تريده إسرائيل اليوم يمكن اختصاره بثلاث نقاط أساسية، وفق ما يتوافق عليه معظم المحللين السياسيين، وهي: إبعاد "حزب الله" عن الحدود، وضمان أمن المستوطنات في الشمال، وإيجاد آلية دولية تضمن الهدوء لسنوات طويلة، أي بمعنى أن إسرائيل لا تبحث بالضرورة عن اتفاق سلام مع لبنان، بل عن ترتيبات أمنية جديدة تجعل حدودها الشمالية آمنة، حتى لو لم يكن هناك سلام رسمي، تمامًا كما تخطّط له مع القيادة الجديدة في سوريا.
لكن السؤال الأهم لا يتعلق فقط بما تريده إسرائيل، بل بمن يملك قرار التفاوض أصلًا، حتى ولو انعقدت الجولة الأولى يوم الثلثاء المقبل في واشنطن. فالمشكلة في لبنان ليست فقط في شكل الاتفاق، بل في من يقرر الحرب ومن يقرر السلم. وأي اتفاق في الجنوب لن يكون لبنانيًا – إسرائيليًا فقط، بل سيكون نتيجة توازنات أميركية – إيرانية – دولية، ولبنان سيكون جزءًا من هذه التسوية أكثر مما سيكون صانعًا لها.
لهذا، يمكن القول إن لبنان، على رغم قساوة هذه الحرب، يتجه نحو واحد من السيناريوهات التالية: وقف نار طويل الأمد، تنفيذ مشدد للقرار 1701، إبعاد السلاح الثقيل عن الحدود، انتشار أكبر للجيش اللبناني، وتعزيز دور أي قوة دولية ممكن أن تحل مكان قوات الطوارئ الدولية، أي واقع أمني جديد في الجنوب، لا هو حرب مفتوحة ولا هو سلام نهائي.
فإسرائيل لا تريد سلامًا مع لبنان بقدر ما تريد حدودًا هادئة، ولبنان لا يستطيع توقيع سلام مع إسرائيل بقدر ما يريد وقف الحرب. وبين هذين الهدفين قد يولد اتفاق جديد، لا يشبه الحرب ولا يشبه السلام، بل يشبه كل التسويات التي عرفها لبنان، وهي تسويات من شأنها أن توقف القتال، لكنها لا تنهي الصراع.
وفي الانتظار يبقى لبنان ورقة في مهب الرياح الدولية والإقليمية، إذ أن الحرب بدأت من دون أن يستشير أحد لبنان، وعندما تتوقف هذه الحرب، إذا توقفت، فإن لا أحد سيستشير لبنان، الذي يستعد للدخول في مفاوضات مع إسرائيل في محاولة لوقف آلة الحرب المجنونة، مع ما رافق قرار عدم شمول لبنان باتفاق اسلام اباد من لغط.
وعلى رغم هذا الألم الكبير والواقع المفروض بقوة النار والبارود لا يزال اللبنانيون يؤمنون بأن لكل حرب نهاية، مع ما تتركه وراءها من مآسٍ إنسانية لا توصف. ومع نهاية كل حرب هناك غالب ومغلوب، على عكس الشعار، الذي رفعه الرئيس صائب سلام أثناء الحرب اللبنانية "لا غالب ولا مغلوب". فالغالب عادة في هذه الحرب هو من يفرض شروطه على المغلوب، الذي يجد نفسه لا حول له ولا قوة ومن دون معين، فيضطّر للقبول بما يُفرض عليه من شروط قد لا تتناسب مع وضعيته الظرفية. وهذا ما حصل في اتفاق وقف إطلاق النار بين إسرائيل و"حزب الله" في 27 تشرين الثاني من العام 2024 بعد حرب اسناد غزة، والتي ذهب ضحيتها الأمينان العامان لـ "الحزب" السيدان حسن نصرالله وهاشم صفي الدين، والتي أدّت إلى تدمير جزئي أو كلي لبلدات وقرى الحافة الأمامية، ووضع إسرائيل يدها على خمس تلال استراتيجية، وفرضت حصر السلاح في يد القوى اللبنانية الشرعية فقط دون غيرها من قوى الأمر الواقع.
ومع عودة الحديث عن حتمية إجراء مفاوضات ثنائية لبنانية – إسرائيلية برعاية أميركية يعود إلى الأذهان اتفاق 17 أيار 1983، وكأن التاريخ قد يعيد نفسه. لكن السؤال الذي يُطرح اليوم ليس إن كان لبنان سيوقّع اتفاقًا شبيهًا باتفاق 17 أيار، بل إن كانت الظروف الإقليمية والدولية تسمح أصلًا باتفاق من هذا النوع.
فاتفاق 17 أيار وُضع في ظروف مختلفة تمامًا عن ظروف اليوم. يومها كان الجيش الإسرائيلي يحتّل بيروت، وكان لبنان يعيش انقسامًا داخليًا كبيرًا، وكانت الولايات المتحدة تضغط بقوة لفرض ترتيبات سياسية وأمنية في المنطقة، فيما كانت سوريا ترفض الاتفاق وتعمل على إسقاطه، وهو ما حصل لاحقًا. أي أن الاتفاق وُلد في زمن الاحتلال المباشر، وسقط عندما تغيّرت موازين القوى.
أما اليوم، فالوضع مختلف. إسرائيل لا تريد احتلال لبنان، على ما تدّعي، كما فعلت في العام 1982، ولبنان لا يستطيع، حتى هذه اللحظة، توقيع اتفاق سلام، و"حزب الله" لا يزال موجودًا كقوة عسكرية أساسية، على رغم ما يتعرّض له من ضربات، فيما إيران تحاول الإيحاء بانها لا تزال اللاعب المباشر والأقوى في المعادلة، والولايات المتحدة والمجتمع الدولي يضغطان على لبنان لكي يوقع اتفاق سلام مع إسرائيل، انطلاقًا من روحية اتفاق الهدنة والقرار 1701 وضمان الهدوء على الحدود الشمالية لإسرائيل.
في الواقع، ما تريده إسرائيل اليوم يمكن اختصاره بثلاث نقاط أساسية، وفق ما يتوافق عليه معظم المحللين السياسيين، وهي: إبعاد "حزب الله" عن الحدود، وضمان أمن المستوطنات في الشمال، وإيجاد آلية دولية تضمن الهدوء لسنوات طويلة، أي بمعنى أن إسرائيل لا تبحث بالضرورة عن اتفاق سلام مع لبنان، بل عن ترتيبات أمنية جديدة تجعل حدودها الشمالية آمنة، حتى لو لم يكن هناك سلام رسمي، تمامًا كما تخطّط له مع القيادة الجديدة في سوريا.
لكن السؤال الأهم لا يتعلق فقط بما تريده إسرائيل، بل بمن يملك قرار التفاوض أصلًا، حتى ولو انعقدت الجولة الأولى يوم الثلثاء المقبل في واشنطن. فالمشكلة في لبنان ليست فقط في شكل الاتفاق، بل في من يقرر الحرب ومن يقرر السلم. وأي اتفاق في الجنوب لن يكون لبنانيًا – إسرائيليًا فقط، بل سيكون نتيجة توازنات أميركية – إيرانية – دولية، ولبنان سيكون جزءًا من هذه التسوية أكثر مما سيكون صانعًا لها.
لهذا، يمكن القول إن لبنان، على رغم قساوة هذه الحرب، يتجه نحو واحد من السيناريوهات التالية: وقف نار طويل الأمد، تنفيذ مشدد للقرار 1701، إبعاد السلاح الثقيل عن الحدود، انتشار أكبر للجيش اللبناني، وتعزيز دور أي قوة دولية ممكن أن تحل مكان قوات الطوارئ الدولية، أي واقع أمني جديد في الجنوب، لا هو حرب مفتوحة ولا هو سلام نهائي.
فإسرائيل لا تريد سلامًا مع لبنان بقدر ما تريد حدودًا هادئة، ولبنان لا يستطيع توقيع سلام مع إسرائيل بقدر ما يريد وقف الحرب. وبين هذين الهدفين قد يولد اتفاق جديد، لا يشبه الحرب ولا يشبه السلام، بل يشبه كل التسويات التي عرفها لبنان، وهي تسويات من شأنها أن توقف القتال، لكنها لا تنهي الصراع.
وفي الانتظار يبقى لبنان ورقة في مهب الرياح الدولية والإقليمية، إذ أن الحرب بدأت من دون أن يستشير أحد لبنان، وعندما تتوقف هذه الحرب، إذا توقفت، فإن لا أحد سيستشير لبنان، الذي يستعد للدخول في مفاوضات مع إسرائيل في محاولة لوقف آلة الحرب المجنونة، مع ما رافق قرار عدم شمول لبنان باتفاق اسلام اباد من لغط.













0 تعليق