.
.
.
نقدم لكم عبر أقرأ 24 iqraa24.com،
لعقود طويلة، عاشت آلاف النساء حول العالم مع أعراض مؤلمة ومربكة دون أن يحصلن على تشخيص صحيح لحالتهن الصحية، كثيرات سمعن مرارًا أن المشكلة مجرد زيادة الوزن أو سمنة تحتاج إلى حمية غذائية، بينما كانت الحقيقة مختلفة تمامًا.
هذه الحالة تعرف باسم "الليبوديما" وهى مرض مزمن يصيب النساء بصورة رئيسية، ويتسبب في تراكم غير طبيعي للأنسجة الدهنية، خاصة في الساقين وأحيانًا الذراعين، مصحوبًا بألم مستمر وسهولة ظهور الكدمات وتورم وإحساس بالثقل وعدم الارتياح.
وفي خطوة من أهم الخطوات العلمية خلال السنوات الأخيرة، نشرت مجلة "Nature" دراسة دولية موسعة أعدها تحالف "الليبوديما"، تضمنت أول توافق دولي حول تعريف المرض وتشخيصه وإدارته وعلاجه، بمشاركة خبراء من 19 دولة حول العالم.
معروف منذ 80 عامًا
وتعود أولى الأوصاف العلمية لـ «الليبوديما» إلى أربعينيات القرن الماضي عندما وصفها الطبيبان ألين وهاينز في عيادة مايو الأمريكية باعتبارها متلازمة تتميز بتراكم غير طبيعي ومتناظر للدهون في الأطراف السفلية لدى النساء.
ورغم مرور ما يقرب من 80 عامًا على اكتشاف المرض، فإنه ظل لفترات طويلة خارج دائرة الاهتمام الطبي، وكان يتم الخلط بينه وبين السمنة، ما تسبب في أخطاء تشخيصية متكررة وتأخر حصول المرضى على الرعاية المناسبة.
وتشير الدراسة إلى أن «الليبوديما» لا تزال حتى اليوم مرضًا ناقص التشخيص في العديد من الدول، كما أن المعرفة الطبية به تختلف بصورة كبيرة من نظام صحي إلى آخر، الأمر الذي يؤدي إلى تفاوت واضح في مستوى الرعاية المقدمة للمريضات.
لماذا احتاج العالم إلى هذه الدراسة؟
ورغم تزايد الوعي بالمرض خلال السنوات الأخيرة وصدور إرشادات في عدد من الدول، فإن الأطباء والخبراء لاحظوا استمرار وجود اختلافات كبيرة في تعريف المرض ومعايير تشخيصه وطرق علاجه.
هذا التباين لا يؤثر فقط على المرضى، بل ينعكس أيضًا على جودة الأبحاث العلمية، إذ يصعب مقارنة الدراسات المختلفة عندما لا توجد معايير موحدة لتشخيص الحالات وتقييمها، ومن هنا جاءت الحاجة إلى وضع أساس علمي مشترك ومتفق عليه دوليًا يمكن أن تستند إليه الممارسات الطبية والبحوث المستقبلية.
خبراء من 19 دولة على طاولة واحدة
اعتمد الباحثون على منهجية «دلفي»، وهى إحدى أكثر الطرق العلمية استخدامًا للوصول إلى توافق بين الخبراء في القضايا المعقدة التي لا تزال الأدلة العلمية حولها غير مكتملة.
وشارك في الدراسة أطباء وباحثون وممثلون عن المرضى من دول متعددة، حيث قاموا بتقييم 62 عبارة أساسية تتعلق بالمرض.
وجرى تقييم كل عبارة وفق 5 معايير رئيسية هى، وضوح العبارة، ومستوى الاتفاق عليها، والتوصية بإدراجها، وقوة الأدلة العلمية الداعمة لها، والحاجة إلى مزيد من الأدلة البحثية، وفي نهاية العملية التوافقية، نجحت 59 عبارة في تحقيق إجماع الخبراء.
ومن بين هذه العبارات، حصلت 36 عبارة على نسبة اتفاق تراوحت بين 90% و100%، و17 عبارة حققت اتفاقًا بين 80% و90%، و6 عبارات بلغت نسبة الاتفاق عليها 70%.
من أبرز النقاط التي ناقشتها الدراسة مسألة جراحة تقليل الوذمة الشحمية، والتي تعتمد غالبًا على تقنيات شفط الدهون مع المحافظة على سلامة الأوعية اللمفاوية.
وأكدت الدراسة إلى أنه ينبغي النظر في هذا النوع من التدخلات عندما يكون من المتوقع أن يؤدي إلى تحسن واضح في أعراض المرض، وحصلت هذه التوصية على نسبة اتفاق بلغت 89.7% بين المشاركين.
وأوضحت الدراسة أن العلاجات التحفظية، مثل الجوارب الضاغطة والعلاج الطبيعي وتعديل نمط الحياة، يمكن أن تساعد في تخفيف الأعراض، لكنها لا تمنع تطور المرض على المدى الطويل.
وفي المقابل، فجراحة تقليل «الليبوديما» الوسيلة العلاجية الوحيدة المتاحة حاليًا لإزالة جزء من الأنسجة الدهنية غير الطبيعية المرتبطة بالمرض.
وأظهرت الدراسات المنشورة حتى الآن أن المرضى الذين خضعوا للجراحة حققوا فوائد متعددة شملت، تقليل حجم الأطراف المصابة، تخفيف الألم المزمن، انخفاض سهولة ظهور الكدمات، تقليل الحساسية للضغط، تحسين القدرة على الحركة، تقليل التورم، تخفيف الشعور بالشد والتوتر داخل الأنسجة، وتحسين جودة الحياة بصورة عامة.
ومع ذلك، حذرت الدراسة من أن الأدلة العلمية لا تزال غير مكتملة، إذ لا توجد حتى الآن تجارب عشوائية محكمة أو دراسات طويلة الأمد تقارن بصورة مباشرة بين الجراحة وعدم العلاج أو بين الجراحة وبدائل علاجية أخرى.
الجراحة ليست عملية تجميل
وشددت الدراسة على نقطة مهمة كثيرًا ما يسيء البعض فهمها، وهى أن جراحة "الليبوديما» تختلف عن عمليات شفط الدهون التجميلية التقليدية.
فالهدف الرئيسي من هذه الجراحة ليس تحسين الشكل الخارجي فقط، وإنما تخفيف الأعراض المرضية وتحسين الوظيفة الحركية وجودة الحياة من خلال إزالة جزء من الأنسجة الدهنية التي يُعتقد أنها مرتبطة بآليات المرض.
ولهذا السبب أوصى المشاركون فى الدراسة بأن تجرى هذه التدخلات بواسطة فرق طبية تمتلك خبرة واسعة في تشخيص وعلاج «الليبوديما»، وأن تكون جزءًا من خطة علاجية متكاملة تشمل أيضًا العلاجات التحفظية والمتابعة طويلة الأمد.
ومن النتائج التي حصلت على إجماع شبه كامل بين المشاركين فى الدراسة التأكيد على ضرورة رفع مستوى الوعي بالمرض داخل المجتمع الطبي وبين أفراد المجتمع.
ودعت الدراسة إلى تطوير نموذج موحد وشامل لتوثيق الحالات الطبية الخاصة بـ «الليبوديما»، ويهدف هذا النموذج إلى توحيد طريقة تسجيل بيانات المرضى ونتائج الفحوصات وخطط العلاج والمتابعة، بما يسمح بإجراء دراسات أكثر دقة وقابلية للمقارنة بين مختلف المراكز الطبية حول العالم.
وأكدت الدراسة أن العديد من الجوانب الأساسية للمرض لا تزال بحاجة إلى بحث علمي أعمق، وشددت الدراسة على أهمية التعاون بين المرضى والباحثين والأطباء، معتبرين أن إشراك المرضى في عملية البحث العلمي يساهم في جعل النتائج أكثر ارتباطًا بالواقع وأكثر قابلية للتطبيق في الحياة اليومية.














0 تعليق