حين تنفصل الشاشة عن الواقف في فقاعة

الدستور 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

حين تنفصل الشاشة عن الواقع في فقاعة طارق العريان
بعد عقود من الفيلم الاول الذي شكل حالة سينمائية فريدة في مطلع الالفية يعود المخرج طارق العريان برؤية معاصرة لفيلم السلم والثعبان.

لكن هذه المرة من بطولة عمرو يوسف واسماء جلال، وبينما كان يطرح الفيلم الاول تساؤلات وجودية حول الحب والالتزام في طبقة متوسطة عليا يأتي الاصدار الجديد ليغوص في عالم (الميتا-ثراء) مقدما وجبة بصرية مبهرة تثير تساؤلات نقدية حادة حول واقعية الصورة في ظل واقع اقتصادي مصري شديد التعقيد يتركز داخل الكومباوند الزجاجي حيث ينتمي فيلم السلم والثعبان بنسخته الجديدة الي سينما اللامكان حيث نعرف ان الاحداث داخل مدينة القاهرة وبعض المدن الساحلية المصرية لكنها ليست المدن المصرية التي يعرفها الملايين منن اهلها وجيرانها اذ تدور الاحداث في ديكورات تتسم بالبذخ الفاحش، قصور ذكية، سيارات فارهة تتجاوز اسعارها المنطق، ازياء وملابس من مصممين عالمين تبدو وكأنها خارجة من مجلة vogue الشهيرة
يظهر الثنائي عمرو يوسف واسماء جلال في حالة من الرفاهية المطلقة التي لا تشوبها شائبة، لا نري زحاما، لا نري معاناة مع البيروقراطية ولا نري حتي عرق العمل اليومي.

فالاموال في الفيلم ليست وسيلة للعيش بل هو هواء يتنفسه الابطال دون التفكير في مصدره او كيفية الحفاظ عليه وذلك الانفصال التام عن الواقع يجعل المشاهد وكأنه يتابع فيلم تدور احداثه بين اثرياء موناكو او بيفرلي هيلز وليس في بلد يمر بتحديات اقتصادية وهيكلية كبري.
قدم عمرو يوسف دور الرجل الوسيم الواثق الذي يملك كل شئ وقد اجاد استعراض الكاريزما الهادئة التي تليق بشخصية تعيش فوق السحاب وتقدم اسماء جلال دور الزوجة الجميلة التي تعيش في ترف مستفز يجعل مشكلتها الوحيدة هي الفراغ العاطفي او البحث عن الذات.

وهنا تتجسد المفارقة الدرامية التي تكمن في ان الازمات النفسية للابطال تبدو مفتعلة وخاصة بالنسبة للمشاهد الذي يكافح لتوفير اساسيات المعيشة، فعندما تبكي البطلة داخل سيارتها التي يفوق سعرها ميزانية حي كامل فيفقد المشاهد قدرته علي التعاطف مع دموع الجميلة وبريق سيارتها، فالصراع الدرامي هنا يفتقر الي الارضية الصلبة، فالسلم والثعبان في هذا الفيلم يُلعب علي رقعة من الذهب والسقوط فيه لا يعني الضياع بل يعني الانتقال من رفاهية الي رفاهية اخري اقل بريقا
لطالما عرف عن طارق العريان بمدرسته التي تهتم بالصورة visuals) علي حساب العمق احيانا فهو مخرج الكليب السينمائي بامتياز في هذا الفيلم فقد تفوق العريان علي نفسه في تقديم صورة مبهرة تقنيا.

فاستخدم الاضاءة بالالوان الدافئة والظلال التي توحي بالراحة والهدوء والاستقرار والكادرات الواسعة التي تبرز فخامة الاثاث والمعمار والموسيقي ناعمة وجاز تتناسب مع جلسات النبيذ والعشاء الفاخر لكن هذه الاحترافية التقنية اصطدمت ب(الاغتراب الاجتماعي) ان اصرار المخرج علي تصدير صورة مصر الفانتازية التي لا يسكنها الا الاثرياء هو نوع من الهروبية (escapism) التي قد تكون مقبولة في افلام الخيال العلمي لكنها مستفزة في دراما رومانسية اجتماعية يفترض انها تلمس قلوب الناس.

السينما ليست مطالبة دائما بنقل البؤس الي الشاشة فعلي الرغم من الضغوطات الاقتصادية التي يعيشها المجتمع المصري فان المجتمع داخل الفيلم تعد ضربا من الخيال فالسيناريو يتجاهل الحديث عن اي اي اشارة للعالم الخارجي مثل الاسعار او القلق من المستقبل المادي ولا يبدو انهم يتأثرون باي متغيرات محيطة، عامة ان الفن الحقيقي هو الذي يعترف ببيئته انما السلم والثعبان الجديد يبدو كأنه اعلان طويل لنمط حياة غير قابلة للتحقيق للاغلبية الساحقة مما يخلق حالة من عدم التصديق 
علي العكس في السلم والثعبان نسخة الالفية 2001 بطولة هاني سلامة وحلا شيحة واحمد حلمي كان هناك شارع واشارات مرور وبشر عاديون والشقة التي يسكنها البطل تعكس ذوق رفيع لكن تبدو حقيقية وتتناسب مع دخله المادي في شركة الاعلانات اما السلم في 2026 لم نتعرف علي طبيعة عمل الابطال الغامضة التي تدر الدخل الهائل بدوم قطرة عرق، فقد تحول كل شئ الي بلاستيك بدون روحإن تقديم حياة مترفة في زمن الضغوط ليس خطأً بحد ذاته، ولكن تقديمه كـ "طبيعة" دون سياق أو تبرير درامي يجعل الفيلم يبدو غريبًا عن تربته. لقد نجح الأبطال في تقديم أداء أنيق، ونجح المخرج في تقديم كادرات عالمية، لكن الفيلم فشل في أن يكون "مصريًا" بالمعنى الإنساني للكلمة. هو فيلم يسكن في "السلم" دائمًا، ولا يجرؤ على الاقتراب من "ثعبان" الواقع الذي يلدغ الملايين يوميًا.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق