فى خضم الأحداث الجارية، والحرب الأمريكية الإسرائيلية- الإيرانية، يحاول البعض جر المنطقة إلى حرب ذات طابع مذهبى طائفى، وتصوير الأمر بأنه يحمل فى طياته ميراث صراع طويل عبر التاريخ، بين السُنة والشيعة.
فى حقيقة الأمر لا نميل إلى قبول هذا القول، كما أنه ليس فى التاريخ ما يدعم ذلك. ربما توظف بعض الأنظمة أو الجماعات المسألة الدينية أحيانًا، لخدمة مصالحها، أو للترويج لسياستها، كما يفعل النظام «الخُمينى» وولاية الفقيه، أو حتى كما تفعل تل أبيب الآن فى الترويج لفكرة يهودية الدولة.
ووجدتنى أعود إلى حدث تاريخى مهم جذب أنظار الجميع فى منطقة الشرق الأوسط عام ١٩٣٩، ليس بالقطع الحرب العالمية الثانية التى حدثت فى العام نفسه، لكن الحدث الذى أقصده وقع فى مارس ١٩٣٩ وأقصد به القِران السعيد الذى جرى بين الأميرة المصرية فوزية وولى عهد إيران- آنذاك- محمد رضا بهلوى. وهنا تتداخل العديد من العوامل التى جعلتنى أعود إلى هذا الحدث التاريخى المهم، ومحاولة إعادة قراءته، لا سيما على ضوء الحاضر، وعلو نبض الحالة المذهبية، والحالة الدينية بصفة عامة فى المنطقة.
هنا نطرح السؤال الشائك حول ما يسمى «الزواج المختلط»، وما نقصده هنا هو الزواج بين أصحاب المذاهب الإسلامية المختلفة، الحالة عبر التاريخ، والحالة الحاضرة، فى خضم التمايز المذهبى الآن، والذى تغذيه- للأسف الشديد- شبكات التواصل الاجتماعى، ما هى وضعية الزواج المختلط لا سيما فى بلدان مثل لبنان وسوريا والعراق بالإضافة إلى دول الخليج؟
بالعودة إلى الواقعة المثيرة، زواج ولى عهد إيران من الأميرة فوزية، وبالنظر إلى وثيقة الزواج، فإن أهم ما يلفت الانتباه هو أن عقد القِران قد تم فى القصر الملكى فى مصر، أى بيت العروس. والجدير بالملاحظة قيام شيخ الأزهر- المراغى- بنفسه بإجراء عقد الزواج، وكما أشارت الوثيقة الملكية فإن الزواج عُقد «على كتاب الله وسنة رسوله»، وبالقطع على المذهب الحنفى. مع ملاحظة أن محمد رضا بهلوى هو شيعى على المذهب الاثنى عشرى.
وتم عقد القِران بشكل تقليدى؛ إذ لم يُسمَح للعروس بحضور عقد القران، الذى خُصِّص للرجال. حيث طلب شيخ الأزهر من شاهدى العقد الذهاب إلى العروس وسؤالها: مَن وكيلك؟ وعاد الشاهدان بالإجابة التالية: لقد وكلت أخاها جلالة الملك فاروق، وهنا بدأت مراسم عقد القِران بين وكيل العروس- الملك فاروق- والعريس محمد رضا بهلوى. كما شهد على العقد وزير العدل الإيرانى.
ومن الأشياء الطريفة والمثيرة فى العقد، مبلغ الصداق الذى أخذه على نفسه العريس، إذ سجل على نفسه صداقًا قدره ٦٠ ألف جنيه «إسترلينى»، المقدم منه مبلغ ١٠ آلاف جنيه، والمؤخر مبلغ ٥٠ ألف جنيه «إسترلينى».
الأمر الجدير بالملاحظة هنا هو أن الأزهر، وهو أكبر مرجعية سُنية على مستوى العالم الإسلامى، بارك هذا الزواج «المختلط»، بل وعقده شيخ الأزهر نفسه، ولم يتحدث أحد فى مواضيع فرعية شائكة مثل مذهب الزوج، أو حتى إن امرأة سُنية تتزوج شيعيًا، بل وأميرة سُنية، وسليلة الأسرة الحاكمة فى أكبر بلد سُنى، ولم تطرح أسئلة على سبيل الألغام مثل: ما هو مصير ذرية هذا الزواج، هل تصبح شيعة أم سُنة؟
بارك الأزهر هذا الزواج، وذكرت جريدة الأهرام فى عدد اليوم التالى أن الملك فاروق أنعم على الشيخ المراغى، شيخ الأزهر، بشال من الكشمير المقصّب بالذهب، وأضاء الأزهر أنواره فى المساء احتفالًا بالقِران السعيد.
بالقطع هذا الزواج يثير العديد من التساؤلات حول الزواج المختلط، لكن هناك بُعدًا آخر هو «زواج المصلحة» أو «الزواج السياسى» وهو ما سنتناوله فى المقال المقبل.











0 تعليق