خالد دومة يكتب: دروس في التربية.. سفاهة الرأي (1)

اليوم 7 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

لا شك أن من تسفّه فكره وتصفه بالجهل وضيق الأفق، قد يراك أنت أيضًا بالصفات ذاتها، ويظنك عاجزًا عن رؤية الأمور من زاوية أوسع أو بخيال أرحب. وهكذا يتحول الحكم المتبادل إلى دائرة من التنافر، كل طرف فيها يزدري الآخر، ويظن نفسه الأجدر بالفهم، في الحقيقة، إن الصواب الذي نؤمن به لا يعني بالضرورة أن الآخرين على خطأ. فالأفكار ليست قوالب ثابتة تُقاس بمقياس واحد، ولا البشر آلات تعكس الواقع بطريقة واحدة متطابقة. إن اختلاف الرؤى جزء من طبيعة الإنسان نفسه، إذ تتشكل قناعاته وفق تجاربه وظروفه ووعيه.

ومن هنا، يصبح من الضروري أن ينظر الإنسان إلى الأمور بعين غيره، كما يراها بعينه هو، وأن يضع نفسه موضع الآخر قبل أن يصدر حكمًا عليه. فالحقيقة ليست حكرًا على أحد، ولا يمكن اختزالها في زاوية واحدة، لكننا كثيرًا ما نقع في فخ التعميم؛ فنبرئ أنفسنا دائمًا، ونحمّل الآخرين مسؤولية كل خلل. نرى أنفسنا على صواب دائم، بينما يُتهم العالم من حولنا بأنه متآمر أو معادٍ. ولو نظرنا بإنصاف من الخارج، لاكتشفنا أن كثيرًا من الصورة التي نخشاها عن أنفسنا نحن من نساهم في صناعتها.

إن الجهل بطبيعة النفس وبطبيعة الحياة يفسد الموازين، ويجعل الإنسان أسيرًا لمشاعر الخوف والحقد والريبة. وحين يغيب الوعي، تتحول الكراهية والحسد إلى وقود يغذي الانقسام، بينما تُخفى الحقيقة خلف ابتسامات زائفة، ولعل الخطر الأكبر لا يأتي من الخارج، بل من داخلنا نحن، من طريقة تفكيرنا في أنفسنا وفي الآخرين، ومن استعدادنا لتبرير أخطائنا ورفض أخطاء غيرنا.

الأشياء ليست دائمًا كما ينبغي أن تكون في وعينا. فالصواب الذي ننشده كثيرًا ما يبقى فكرة مجردة، بينما الواقع يمضي في اتجاه آخر، تصنعه المصالح والمواقع لا المبادئ وحدها، في كثير من البيئات، تختل الموازين، فيتصدر المشهد من يملكون أساليب التملق والادعاء، بينما يُهمّش أصحاب الجهد الحقيقي. وهكذا تنقلب الصورة: يصبح الأعلى في الهرم أقل وعيًا أحيانًا من من هم تحته، لكنهم أكثر قدرة على التكيف مع قواعد غير عادلة.

ولو وضعت الأمور في موضعها الصحيح، لوجد كل مجتهد نصيبه الطبيعي، ولشعر الإنسان أن عمله لا يضيع في الفراغ، لكن الواقع أكثر تعقيدًا؛ فالألم النفسي الناتج عن هذا الاختلال ليس بسيطًا، بل هو ألم عميق ينهك الفكر ويستنزف النفس، كأنه ضغط داخلي مستمر يفتت الهدوء من الداخل ويترك الإنسان في حالة من الإنهاك الشديد.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق