حسين السيد يكتب: قراءة فى كتاب سيرة النور والصمت لمحسن عبد العزيز

اليوم 7 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

ما أجمل أن يتصدى الأدباء للقضايا الفكرية! إنهم يكونون فى مرحلة يمكن أن نطلق عليها المنزلة بين المنزلتين، فلا هم أدباء صرف يكتبون فى الأدب فحسب، ولا هم مفكرون يتناولون قضايا فكرية عميقة بأسلوبهم المعتاد، إنما يجمعون بين الحسنيين، الأدب والفكر معا، فيستخدمون الأدب الذى يحبه الجمهور ويقبل عليه وسيلة لإيصال رسالتهم، ويناقشون قضايا فكرية ربما لا يقدم عليها إلا المتخصصون والدارسون، نظرا لجفائها وصعوبة بلعها دفعة واحدة. ومن ثم، فإن الأعمال التى من هذا القبيل يرضى عنها الأدباء، ويرضى عنها المفكرون أيضا.

ينطبق ما قلناه على كتاب "سيرة النور والصمت" للمؤلف محسن عبدالعزيز، فهو كتاب جمع بين الأدب والفكر، الأدب فى اللفظ والوسيلة؛ حيث الأسلوب المشرق الأخاذ واللغة العذبة المنسابة، والفكر فى المعنى؛ حيث العمق والوصول إلى الجوهر وإيصال الفكرة بكل تفاصيلها. ولا غرو فى ذلك، فصاحبنا فى المقام الأول أديب له أعمال إبداعية متعددة، واشتغل بالفكر؛ حيث له أيضا أعمال تناول فيها الفكر الخالص، ولهذا أرضى الذهن وأرضى الذوق أيضا.

يناقش محسن عبدالعزيز قضية من أخطر القضايا التى تواجهنا، وهى لماذا تخلفنا عن ركب الأمم المتقدمة رغم أننا أصحاب حضارة مصرية عظيمة؟ لماذا أصبحنا فى ذيل الأمم رغم أننا أول من أنشأ دولة مركزية فى التاريخ؟ وهو ما جعله يحس بالضآلة كلما وقف أمام آثار مصر العظيمة، فمصر الحضارة كانت متقدمة فى مجالات العمارة والطب والفلك والهندسة والأدب، ومع هذا فإن مصر الحاضر متأخرة فى كل شىء، عيال على الأمم الأخرى، فبعد أن كانت هى سيدة هذا الكون بلا منازع فى عصر المصريين القدماء، تراجعت فى أداء دورها الحضارى الآن.

سيرة النور والصمت
سيرة النور والصمت


بحث محسن عبدالعزيز عن مكامن هذا التخلف وشخَّصه، ولم يكتف بهذا بل راح يعطينا الدواء الناجع من وجهة نظره للنهوض بمصرنا الغالية.
رأى صاحبنا أن الداء الأساسى الذى أصبنا به إنما يعود إلى القطيعة الحضارية التى حدثت لمصر سنة 415 ميلادية ، ويرى هذه السنة سنة مفصلية فى تاريخ مصر؛ حيث قتلت فيها الفيلسوفة المصرية "هيباتيا" شر قتلة على يد متطرفى الديانة المسيحية، وذلك لأن الإمبراطور الرومانى "ثيودسيوس الثانى" أعطى أوامره بمنع التعليم باللغة المصرية الهيروغليفية، وهى لغة العلم والحضارة فى ذلك الزمان، كما أغلق هذا الإمبراطور الظالم المعابد والمعاهد والمدارس المصرية، وذلك لأن مصر إن كانت قد دخلت تحت راية روما عسكريا لكنها احتلت الإمبراطورية الرومانية ثقافيا وفكريا، لتدخل مصر بعد هذا الإغلاق نفقا مظلما لم تخرج منه إلا بعض الفترات الزمنية القصيرة التى لا تحسب بمقياس الزمن، ومنيت جميعها بالإخفاق، وظللنا فى هذا النفق المعتم؛ حيث ارتبطت أوقات الإفاقة بأشخاص وحكام معينين زالت بزوالهم.
الحل فى نظر محسن عبدالعزيز هو وصل أسبابنا بأسباب الحضارة المصرية، ولكى يتحقق هذا يدعو إلى ضرورة تعلم اللغة الهيروغليفية ويراها فريضة قومية، حيث سيدرك أبناؤنا قيمة حضارة بلادهم ويتماسون معهم فى العلم والتفكير العلمى. كما أن بعضهم سيصبح مرشدا ومنقبا عن أسرارها، وربما استطاع أحدهم اكتشاف أسرار جديدة كنا نجهلها، مثلما فعل شامبليون مع حجر رشيد. وسيجعلهم أيضا حريصين على كنوز بلادهم، كما سيقضى على القطيعة، وتجعل البناء على ما تركه الأجداد ممكنا؛ وسيتعرفون إلى أسماء أبطال مصر وعلمائها ومفكريها، ويتخذونهم قدوة ويحتذون حذوهم، ما يجعلهم بعيدين عن التخلف وعن الغزو المادى أو المعنوى.
علينا أن ندرك محسن عبدالعزيز لم يكن أول من دعا إلى العودة إلى الحضارة المصرية القديمة، فقد سبقه إلى هذه الدعوة بعض أعلامنا، كما أنه افتتح كتابه بمقولة لطه حسين "أنا مؤمن أن مصر لن تبتكر ابتكارا ولن تخترع اختراعا ولن تقوم إلا على مصر القديمة الخالدة، ومن أجل لا أحب أن أفكر فى مستقبل الثقافة فى مصر إلا على ضوء ماضيها البعيد وحاضرها القريب"، كما استشهد بكلام توفيق الحكيم عن حضارة مصر القديمة، فهى حضارة تأمل وتفكير، ويتساءل فى استنكار أنه إذا كان التعليم الحديث يقوم على التفكير وليس الحفظ، فكيف نهمل لغة حضارتنا التى تقوم على التأمل والتفكير؟! ولا أريد الانسياق إلى الحديث عن الدعوة إلى الفرعونية، أو المعركة التى ثارت بسببها بين الكتاب والمفكرين فى القرن العشرين، فليس هذا مكانه، ويكفى ما استشهدنا به.

محسن عبد العزيز
محسن عبد العزيز


أقول إن محسن عبدالعزيز وإن لم يكن أول من خاض هذا المعترك، لكن فكرته جاءت مكتملة الأركان، فقد أخلص لها على مدى عامين متتاليين وآمن بها؛ حيث إن هذا الكتاب جاء حصيلة مقالات نشرها على صفحات جريدة "الأهرام"، لهذا فإنه صادق فى دعوته، واضح فى رؤيته. وعلينا مناقشة هذه الفكرة بهدوء وروية وحكمة، وألا نكون مندفعين فى الحكم عليها، فلا يجوز الزعم بأنها فكرة مناهضة للعروبة والإسلام، فهذا عار تماما من الصحة، ولا يمت بأدنى صلة إليها، وقد دافع هو عن فكرته، فالعودة إلى اللغة القديمة تعنى من وجهة نظره أن يعود المصرى إلى حضارته القائمة على الصدق والإيمان والعمل، فيكون المصرى رسول حضارة وأخلاق بدلا من ثقافة الفهلوة التى جاءتنا مع المحتلين والمغامرين. هذا ما يرمى إليه محسن عبدالعزيز، وأنت إذا محصت وفحصت هذا الكلام وجدت أن الحق معه، وأن هذا هو واقع حياتنا، فالفهلوة عنصر رئيسى فى حياتنا، من منَّا لم يستخدمها فى حياته؟! إن حياتنا قائمة للأسف على الفهلوة. أما ما كان سائدا فى مصر القديمة فهو الصدق والعدل والعمل، لهذا فإنهم شيدوا حضارة أقل ما توصف به بأنها حضارة عظيمة، وأنا أقول إن مصر فى ذاك الزمن كانت سيدة هذا الكون.


قد يقول قائل إنها دعوة إلى الفرعونية وإلى ترك اللغة العربية ومن ثم التعارض مع الإسلام، وهذا لعمرى زعم باطل، فإذا كان يدعو إلى اللغة الهيروغليفية، فليس مطلوبا أن تكون هى لغة الشعب، وإنما أن يتعلمها أبناؤنا أو بعضهم لينهلوا من الحضارة المصرية ما يساعدهم على أن تتبوأ مصر المكانة التى تستحقها بين الأمم، وما المانع أن يدرسوا الهيروغليفية وأن يكونوا مسلمين؟! فثمة توافق بين الإسلام وتعاليم الحضارة المصرية، الإسلام يدعو إلى العمل وإتقانه وكذلك الحضارة المصرية، الإسلام يدعو إلى حفظ النفس وكذلك الحضارة المصرية، الإسلام يدعو إلى مساعدة الآخرين وكذلك الحضارة المصرية، الإسلام يدعو إلى التعمير والبناء والإصلاح وكذلك الحضارة الإسلامية.. إلخ، وعلى ضوء هذا يمكن البناء على ما هو مشترك بين الإسلام والحضارة المصرية.
من قال إن الدعوة إلى الحضارة المصرية يعنى التخلى عن العروبة؟! إن دول الاتحاد الأوروبى نجحت فى الاتحاد بينها، ولم تمح شخصية أى دولة من دوله، بل كل دولة تشتد فى الحفاظ على قوميتها ولغتها الخاصة بها، وتغلو فى هذا حتى إنها لتتطرف تطرفا منكرا، وتجرِّم من يعارض قوانينها مثل عدم احترام اللغة مثلا، فهل يستطيع أحد أن يتحدث الألمانية فى باريس، أو يتحدث الفرنسية فى برلين؟! وكذلك الأمر مع الإيطالية والإسبانية والبرتغالية، وقبل ذلك الإنجليزية! ومع هذا نجحت هذه الدول فى إقامة اتحاد قوى متماسك، فيما فشلنا نحن العرب الذين نتحدث لغة عربية واحدة فى إقامة اتحاد عربى حقيقى، أو حتى سوق عربية مشتركة، رغم اشتراكنا فى لغة واحدة ودين واحد وبيئة جغرافية متقاربة.
من قال إن تعلم اللغة الهيروغليفية سيجعلنا ننسى ديننا؟ إن من يقول هذا مخطئ، ونظرته إلى الأشياء لا تتجاوز ما بين قدميه، أما أنا فأقول إنها ستكون داعمة لهذا الدين، فنحن الآن فى مرحلة الضعف، وإذا أتتنا عناصر القوة من الحضارة المصرية، فإننا سنكون لا شك متقدمين وفى عداد الدول القوية، وهذا العالم يحتاج إلى الأقوياء لفرض كلمتهم وبسط نفوذهم، ما يعنى أننا مصريون ينتمون إلى الحضارة المصرية ولغتهم هى العربية ودينهم هو الإسلام. فلست أرى أى تعارض بين تعلم الهيروغليفية، لغة العلم والحضارة والبناء والتعمير، وبين اللغة العربية ومن ثم الإسلام. وعلينا ألا ننسى أن الدول الإسلامية الكبرى مثل تركيا وإيران وأندونيسيا وباكستان وماليزيا لا يتخذون اللغة العربية لغة رسمية لهم، ومحسن عبدالعزيز لا يدعو إلى ترك اللغة العربية، وإنما دعا إلى تدريس لغة مصر القديمة مثل اللغات الإنجليزية والفرنسية والألمانية.

حسين السيد
حسين السيد


إن محسن عبدالعزيز لم يكن غاليا فى دعوته، فقد طالب بفرضها على قسم اللغات الشرقية بمختلف الكليات مثل الآداب والتربية، وهو مصيب فى هذا الرأى، فعندما كنا طلبة فى كلية الآداب، كانت لدينا مادة تسمى "لغات شرقية"، ويختار الطالب من هذه اللغات إما اللغة الفارسية وإما العبرية أو التركية.. فلماذا لا تضاف اللغة الهيروغليفية إلى هذه اللغات وتكون تلك البداية، ثم تنشأ بعد ذلك مدارس تكون مهتمها دراسة الحضارة المصرية؟ فكما لدينا مدارس يابانية وبريطانية وفرنسية وألمانية، فلماذا لا تنشأ مدارس مصرية؟! وكما اكتشفنا حجر رشيد المهمل وفك رموزه شامبليون، كذلك يمكننا اكتشاف عشرات الأحجار بل مئات منها، ونكتشف أسرارا جديدة عن حضارتنا القديمة، فكل يوم تُعلن اكتشافات أثرية جديدة حتى اليوم، ما يعنى أن الحضارة المصرية لم تبح بكل أسرارها، فليتنا نعى الدرس قبل فوات الأوان. 
إكمالا لفكرته لم ينس محسن عبدالعزيز الحديث عن الفلسفة المصرية والديانة المصرية والأدب المصرى، هذا الأدب الذى ظل يسرق على مدى التاريخ، وينسب إلى دول أخرى.
علينا النظر بعناية فى دعوة محسن عبدالعزيز، فهى محاولة منه للنهوض بمصر، وما علينا إلا مناقشة هذه الدعوة بشىء التروى والتمهل والتأمل، فقد اجتهد وبحث ودرس، أعطانا الدواء لكل مشكلاتنا.

 

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق