الجنوب أمام اختبار جديد... هل تقترب إسرائيل من معركة علي الطاهر؟

لبنان24 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف
تثير موجة العمليات التصعيدية الإسرائيلية الواسعة في الجنوب خلال الساعات الأخيرة مخاوف متزايدة من أن يكون الوضع الميداني قد بدأ يقترب من مرحلة أكثر خطورة، في ظل غياب أي مؤشرات عملية واضحة على حصول تقدم في المسار التفاوضي اللبناني ـ الإسرائيلي، أو في تنفيذ الخطوات التي كان يفترض أن تشكل مدخلاً لتثبيت التهدئة على الأرض.

Advertisement


ولا تبدو هذه المخاوف مرتبطة بحجم الضربات وحده، بقدر ما ترتبط بطبيعة الأهداف التي تطاولها العمليات الإسرائيلية وتوزعها الجغرافي، ولا سيما في المناطق ذات القيمة الاستراتيجية المرتفعة، وفي مقدمها مرتفعات علي الطاهر.

فإذا كان هدف إسرائيل المعلن أو غير المعلن هو تحسين موقعها الأمني على الحدود، فإن استمرار الضغط العسكري على المرتفعات يطرح سؤالاً يتجاوز العمليات المحدودة. فهل تسعى إسرائيل إلى فرض واقع ميداني جديد قبل العودة إلى طاولة التفاوض، أم أن ما يجري لا يزال في إطار الضغط بالنار لتحسين شروط التفاوض؟

لا شك في أن مرتفعات علي الطاهر تكتسب أهمية خاصة في هذه المرحلة بسبب موقعها الجغرافي، الأمر الذي يجعل السيطرة عليها ذات قيمة عسكرية وأمنية في حسابات أي طرف يسعى إلى تثبيت نفوذه في المنطقة.

ومن هنا، فإن تكثيف العمليات في محيطها لا يمكن فصله عن النقاش الأوسع حول طبيعة الترتيبات الأمنية التي يفترض أن تنتج عن المفاوضات اللبنانية ـ الإسرائيلية، لكن الوصول إلى نتيجة مفادها أن إسرائيل قررت خوض معركة واسعة للسيطرة على المرتفعات يبقى سابقاً لأوانه ما لم تترافق العمليات مع مؤشرات ميدانية أخرى تؤكد الانتقال من سياسة الضغط والتدمير إلى سياسة التقدم والسيطرة البرية. وهذه نقطة أساسية في قراءة المشهد الحالي.


في المقابل، لا يزال المسار المتعلق بالمناطق التجريبية يثير علامات استفهام. فبعد التجربة الأولى، لم يظهر حتى الآن تطور عملي واضح في اتجاه توسيع التجربة إلى مناطق أخرى، بما يسمح بقياس مدى قابلية التفاهمات للانتقال من الورق إلى الأرض. وهنا تكمن إحدى مشكلات المرحلة الحالية، إذ أن المفاوضات مستمرة، ولو نظريًا، ولكن الاختبار الحقيقي يبقى ميدانياً.

فأي تفاهم لا يتحول إلى إجراءات ملموسة على الأرض يبقى معرضاً للانتكاس، خصوصاً في بيئة جنوبية شديدة الحساسية، حيث يمكن لأي حادث أمني أن يعيد خلط الأوراق.

أما على المستوى التفاوضي، فلا تزال الصورة المرتبطة بالجولة الثامنة غير واضحة، وإن كان الجواب الأميركي عن التساؤلات اللبنانية قد أثار بعض الارتباك، وهو ما يترك فراغاً سياسياً قد تستفيد منه التطورات الميدانية، على رغم ما أعلن وزير الخارجية الإيطالية أنطونيو تاياني، من أنّ "جولات جديدة من المحادثات بين لبنان وإسرائيل ستُعقد في روما خلال أيلول المقبل.

فالقاعدة في مثل هذه الحالات واضحة، وهي أنه كلما تعثّرت السياسة الدبلوماسية، تتقدم الوقائع العسكرية لملء الفراغ.

وهذا ما يجعل المرحلة الحالية شديدة الخطورة، لأن استمرار العمليات الإسرائيلية من جهة، وعدم وضوح موعد استئناف التفاوض من جهة أخرى، يفتحان الباب أمام تفسيرات متعددة، بينها أن إسرائيل تحاول تحسين شروطها الميدانية قبل العودة إلى طاولة المفاوضات.

وبطبيعة الحال، ولا يمكن قراءة المشهد اللبناني بمعزل عن التطورات الإقليمية، وخصوصاً المسار المتصل بالعلاقة الأميركية ـ الإيرانية. فأي تصعيد اقتصادي أو سياسي أميركي ضد طهران يمكن أن ينعكس على ساحات المنطقة، ولبنان ليس خارج هذه المعادلة، بل في قلبها. وإذا تزامن الضغط على إيران مع تعثر المفاوضات اللبنانية ـ الإسرائيلية، فإن هامش المناورة أمام الأطراف اللبنانية والإقليمية يصبح أكثر ضيقاً.

لكن الخطأ سيكون في افتراض أن كل تطور في المنطقة يؤدي حكماً إلى تصعيد في لبنان. فالمسارات الإقليمية قد تكون أحياناً عاملاً للضغط من أجل التهدئة بقدر ما يمكن أن تكون عاملاً للتصعيد.

فالجنوب يقف اليوم عند حافة اختبار دقيق. فإما أن تكون العمليات الإسرائيلية الحالية جزءاً من سياسة ضغط ميداني هدفها تحسين شروط التفاوض، وإما أن تكون تمهيداً لفرض وقائع جديدة، خصوصاً في المواقع المرتفعة والاستراتيجية. والفارق بين الاحتمالين لا تحدده التصريحات السياسية، بل ما سيحدث على الأرض خلال الأيام المقبلة. فهل ستبقى الضربات في إطارها الحالي، هل ستظهر مناطق تجريبية جديدة، هل ستُستأنف الجولة الثامنة من المفاوضات، وهل تنجح الوساطة الأميركية في إبقاء المسار السياسي منفصلاً عن التصعيد الإقليمي؟

هذه الأسئلة هي التي ستحدد ما إذا كان الجنوب يتجه نحو تثبيت اتفاق الإطار تدريجياً، أم نحو جولة جديدة من التصعيد قد تكون مرتفعات علي الطاهر إحدى ساحاتها الرئيسية.

وفي لبنان، تبقى المشكلة أن هامش الخطأ يتقلص كلما طال الانتظار. فكل يوم لا يحمل تقدماً سياسياً ودبلوماسيا ملموساً، يمكن أن تنتج عنه واقعة ميدانية جديدة، وكل واقعة ميدانية جديدة قد تجعل العودة إلى التفاوض أكثر صعوبة.

وبينما ينتظر اللبنانيون الجولة الثامنة، يبدو أن الجنوب دخل بالفعل في الجولة الأولى من اختبار القوة.

 

أخبار ذات صلة

0 تعليق