Advertisement
هكذا يصبح السؤال أوسع من حجم الصادرات التي ستصل إلى السعودية أو الاتفاقات التي قد يوقعها الوفد الإماراتي. فبعد سنوات طغت فيها على علاقة لبنان بدول الخليج ملفات الدعم السياسي والمساعدات والأزمات، تبرز إمكانية الانتقال إلى صيغة يصبح فيها الاقتصاد نفسه مقياسًا للثقة بالدولة: هل تستطيع حماية بضائعها وضبط معابرها كي تستعيد الأسواق؟ وهل تستطيع توفير بيئة تسمح بعودة الرساميل؟ ومن هاتين البوابتين، هل تبدأ عودة اقتصادية خليجية أوسع إلى لبنان؟
السوق تُفتح من بوابة الدولة
كانت هذه النقطة مهمة لأن السوق السعودية لم تُغلق سابقًا لأسباب تجارية. ففي نيسان 2021، أوقفت الرياض دخول الخضر والفواكه اللبنانية على خلفية تهريب المخدرات داخل الشحنات، قبل أن تقرر في 29 تشرين الأول من العام نفسه وقف جميع الواردات اللبنانية في خضم الأزمة السياسية بين البلدين، مع الإشارة أيضًا إلى ملف التهريب وعدم اتخاذ الإجراءات المطلوبة لوقفه. لذلك جاءت العودة مقترنة بخطوات قابلة للقياس على الأرض، من تعزيز الرقابة والتعاون الأمني إلى تشغيل جهاز مسح متطور في المصنع بالتزامن مع استئناف التصدير البري.
تتجاوز أهمية المصنع، من هذه الزاوية، مسألة توفير طريق أسرع أو أقل كلفة لبعض المصدرين. فالمعابر التي كانت الرقابة عليها جزءًا من مشكلة الثقة تصبح اليوم جزءًا من عملية استعادتها، فيما يعود وصول المنتج اللبناني إلى السوق السعودية مرتبطًا بعمل الجمارك والأجهزة والإدارة، لا بعلاقة المنتج بالمستورد وحدها. وهذا يضع الدولة مجددًا في قلب العلاقة الاقتصادية: تحسن الرقابة يسهل التجارة، فيما يستطيع أي خلل كبير أن يعيد فتح الملف الذي سبق أن أغلق السوق.
من التجارة إلى اختبار الاستثمار
تأتي الخطوة التالية من بوابة الاقتصاد مباشرة. فالوفد الذي يزور بيروت لا يقتصر على مسؤولين حكوميين، وإنما يضم 67 من كبار رجال الأعمال والقيادات الاقتصادية برئاسة الزيودي. وإلى جانب اللقاءات والشراكات مع القطاع الخاص، تحدثت معلومات صحفية عن توقيع اتفاقات واقتراح تقديم وتطوير خدمات في المطار والمرافئ والمعابر الحدودية. في الوقت نفسه، يوجد أصلًا مجلس أعمال لبناني–إماراتي عقد اجتماعه الأول في شباط ووضع خطة عمل لعام 2026، ما يجعل الزيارة حلقة في مسار اقتصادي بدأ يتشكل قبل وصول الوفد.
مع ذلك، يفصل فارق كبير بين وصول وفد بهذا الحجم وبين اتخاذ قرارات فعلية بضخ الرساميل. فالمستثمر الذي يدرس مشروعًا في مرفق حيوي أو قطاع كبير يقيس الجدوى التجارية إلى جانب الاستقرار والقواعد القانونية وآليات التعاقد والقدرة على التمويل واستمرارية المؤسسات. لذلك تبدو الزيارة أقرب إلى اختبار لفرص العودة منها إلى إعلان عودة مكتملة: لبنان يعرض ما لديه، فيما يكشف ما سيأتي بعد الزيارة مقدار استعداد رأس المال الإماراتي لتحويل الاهتمام الحالي إلى مشروعات واتفاقات قابلة للتنفيذ.
تضع الخطوتان السعودية والإماراتية، رغم اختلافهما، معادلة متقاربة أمام لبنان. الرياض أعادت فتح السوق بعدما ربطت القرار بتقدم الدولة في المؤسسات والالتزامات، وأبوظبي تنتقل من استعادة حركة السفر والتواصل إلى اختبار فرص الاقتصاد والاستثمار. والمفارقة أن المعابر والمرافق التي ارتبط بعضها خلال سنوات الأزمة بالتهريب وضعف الرقابة تظهر اليوم في قلب المسارين معًا: منها تعبر البضاعة إلى السوق السعودية، وحولها يدور جزء من الاهتمام الإماراتي. يعني ذلك أنّ عودة الخليج الاقتصادية إلى لبنان لم تكتمل بعد، لكن الطريق إليها بات يمرّ بوضوح عبر الدولة ومؤسساتها.





0 تعليق