مليارات الصين أمام فرصة لبنانية... هل يصل لبنان إليها ويستغلها؟

لبنان24 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف
تتحول بكين بين 26 و29 آب 2026 إلى نقطة التقاء دولية لرواد الأعمال والمستثمرين، مع انعقاد قمة "HICOOL" العالمية لريادة الأعمال في مركز الصين الدولي للمعارض. ولا تقتصر القمة على عرض الشركات الناشئة، بل تشمل لقاءات مع مستثمرين، وجولات في المراكز التكنولوجية، ومساحات لعرض المشاريع وبناء الشراكات.

Advertisement

 
بالنسبة إلى لبنان، قد تبدو القمة بعيدة عن أزماته اليومية، لكنها تفتح نافذة على اقتصاد لم يعد قائماً فقط على المصانع الضخمة والسلع منخفضة الكلفة. الصين اليوم عالم تجاري متكامل يجمع بين التمويل والتكنولوجيا والتصنيع وسلاسل التوريد والتجارة الرقمية، ويمنح المشروع القابل للحياة فرصة الانتقال سريعاً من الفكرة إلى الإنتاج. وتغطي مسابقات المرافقة للقمة قطاعات الذكاء الاصطناعي، والتكنولوجيا المالية، والصحة، والطاقة الجديدة، والمواد الحديثة، والتجهيزات الذكية والصناعات الثقافية. كما تعرض 100 مركز فائز، وجوائز نقدية إجمالية بقيمة 80 مليون يوان، إلى جانب صناديق استثمار بقيمة مليار يوان.
 
الصين ليست مجرد سوق للاستيراد
علاقة لبنان التجارية بالصين تسير حتى الآن في اتجاه شبه واحد. فالصين كانت أكبر مصدر للبنان خلال عام 2025، واستحوذت على نحو 11.73 في المئة من إجمالي الواردات اللبنانية، بينما بقي حضور السلع اللبنانية في السوق الصينية محدوداً. وهذا يعني أن لبنان يعرف الصين كمصنع يشتري منه، لا كسوق يبيع فيها أو كمصدر استثمار وتمويل وتكنولوجيا. وهنا تكمن أهمية قمة مثل "HICOOL". فالمطلوب لبنانياً ليس البحث عن طريقة لاستيراد المزيد من المنتجات الصينية، بل الانتقال من علاقة التاجر بالمورّد إلى علاقة الشركة بالشريك. ويمكن أن يشمل ذلك تطوير منتج مشترك، أو الحصول على تمويل لمشروع ناشئ، أو نقل تكنولوجيا قابلة للاستخدام في السوق اللبنانية، أو بناء قناة لتسويق منتجات لبنانية داخل الصين.
 
ماذا يستطيع لبنان أن يقدّم؟
لن ينافس لبنان الصين في التصنيع الكمي، ولن يدخل سوقاً يزيد عدد سكانها على مليار نسمة عبر السلع التقليدية الرخيصة. فرصته الحقيقية تكمن في المنتجات المتخصصة ذات القيمة المرتفعة، مثل النبيذ وزيت الزيتون والمأكولات المصنّعة والتوابل ومستحضرات التجميل الطبيعية والمجوهرات والتصميم.
 
لكن جودة المنتج وحدها لا تكفي. فالدخول إلى السوق الصينية يحتاج إلى موزع محلي، وتسجيل العلامة التجارية، والتزام دقيق بالمعايير الصحية والجمركية، إضافة إلى خطة تسويق تراعي عادات المستهلك الصيني. الصين تمتلك طبقة وسطى تضم أكثر من 400 مليون شخص، وفق الأرقام الرسمية الصينية، إلا أن الوصول إليها يحتاج إلى عمل منظم، لا إلى مشاركة رمزية في معرض.
 
أما الفرصة الثانية فتتعلق بالشركات الناشئة. يمتلك لبنان خبرات في البرمجيات والتكنولوجيا المالية والصحة الرقمية والتعليم الإلكتروني والصناعات الإبداعية، وهي مجالات حاضرة بقوة في "HICOOL". ويمكن للشركة اللبنانية أن تقدم الابتكار والتصميم وفهم الأسواق العربية، فيما يوفر الشريك الصيني التمويل والتصنيع والقدرة على التوسع.
 
هذه الشراكة قد تكون أكثر واقعية من انتظار استثمارات ضخمة في مشاريع لبنانية غير مكتملة. فشركة ناشئة تملك منتجاً واضحاً وفريقاً مؤهلاً وعملاء فعليين ستكون أكثر قدرة على جذب المستثمر الصيني من مشروع يقوم فقط على فكرة عامة أو طلب تمويل.
 
من الطاقة إلى الزراعة
يستطيع لبنان أيضاً الاستفادة من التكنولوجيا الصينية في قطاعات يعاني فيها عجزاً واضحاً، وعلى رأسها الطاقة الشمسية وتخزين الكهرباء، وإدارة المياه، والزراعة الذكية، والخدمات اللوجستية، والمعدات الطبية والنقل الكهربائي. وقد ظهر نموذج صغير لهذا التعاون عندما قدمت الصين إلى وزارة الزراعة اللبنانية سبع طائرات مسيّرة لاستخدامها في مكافحة الآفات ومراقبة الغابات والمحاصيل. أهمية الخطوة ليست في عدد المسيّرات، بل في إمكانية الانتقال من الهبات المحدودة إلى مشاريع تجارية تنقل التكنولوجيا وتدرب اللبنانيين على تشغيلها وصيانتها. كما يمكن أن تبرز المرافئ والطاقة والنقل ضمن أي نقاش اقتصادي أوسع، لكن الاستثمارات الصينية لا تأتي لمجرد امتلاك لبنان موقعاً جغرافياً مهماً. فهي تحتاج إلى مشاريع قابلة للتمويل، وعقود واضحة، وتلزيمات شفافة، وضمانات قانونية، وقدرة على تحصيل العائد.
 
ليست بوابة سحرية
لا تستطيع قمة في بكين حل مشكلات لبنان البنيوية. فالمستثمر، سواء كان صينياً أو غربياً أو عربياً، سينظر إلى انتظام الكهرباء، ووضع المصارف، وإمكانية تحويل الأموال، واستقرار القوانين، وسرعة القضاء، ووضوح الضرائب والجمارك. كذلك، لا يكفي تكرار مقولة إن لبنان يمكن أن يكون "بوابة الصين إلى المنطقة". فالصين تملك علاقات تجارية واستثمارية مباشرة وقوية مع دول الخليج ومصر والعراق ودول أخرى. ولكي يكتسب لبنان دوراً إقليمياً، عليه أن يقدم ميزة فعلية تبدأ اولا من مرفأ يعمل بكفاءة، وخدمات مالية موثوقة، وشركات قادرة على دخول الأسواق العربية، وبيئة قانونية تحمي المستثمر.
 
من هنا، قد تشكل "HICOOL 2026" فرصة، لكن الاستفادة منها تبدأ قبل السفر إلى بكين. المطلوب اختيار شركات لبنانية جاهزة، وتحديد المنتجات القابلة للتصدير، وإعداد ملفات استثمارية بالأرقام، وتنظيم لقاءات مسبقة مع الصناديق والشركات الصينية.
 
الصين تستطيع أن تكون للبنان أكثر من متجر كبير للاستيراد. لكن الانتقال إلى الشراكة يحتاج إلى دولة تعرف ماذا تريد، وقطاع خاص يحمل مشاريع قابلة للتنفيذ، لا مجرد أفكار تبحث عن ممول. عندها فقط يمكن أن تتحول المشاركة في قمة عالمية من صورة تذكارية إلى بداية مسار اقتصادي حقيقي.

 

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق