لم تعد المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية التي تستضيفها روما حدثاً معزولاً عن المشهد الإقليمي، كما لم يعد اتفاق مكة للدفاع المشترك بين المملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان مجرد تفاهم عسكري ثلاثي. فالحدثان، وإن اختلفا في الشكل والأهداف المباشرة، يلتقيان عند نقطة واحدة، وهي أن الشرق الأوسط يدخل مرحلة إعادة صياغة توازناته الأمنية والسياسية، حيث لم تعد ترتيبات ما بعد الحروب تُصنع على جبهة واحدة، بل ضمن رؤية إقليمية أشمل.
فالجولة السابعة من مفاوضات روما لم تفض إلى اختراق حاسم، لكنها، وفق أوساط سياسية ودبلوماسية، كرّست واقعاً جديداً قوامه تثبيت الهدوء ومنع الانزلاق إلى مواجهة واسعة، مع ترحيل القضايا الأكثر تعقيداً إلى الجولة الثامنة، التي يُرجح أن تنعقد بعد اتضاح المشهدين السياسيين في إسرائيل والولايات المتحدة. وهذا التأجيل لا يعكس تعثراً بقدر ما يعكس انتظاراً لموازين قوى جديدة قد تنتجها الاستحقاقات السياسية المقبلة.
في المقابل، شكّل الإعلان عن اتفاق مكة للدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان أحد أبرز التطورات الاستراتيجية في المنطقة. فهذا الاتفاق لا يقتصر على تعزيز التعاون العسكري بين ثلاث دول مؤثرة، بل يعكس توجهاً نحو بناء منظومة ردع إقليمية ترتكز على مبدأ الدفاع الجماعي، بما يهدف إلى حماية الاستقرار الإقليمي وإعادة التوازن إلى معادلات القوة في الشرق الأوسط.
ولا يمكن فصل هذا التطور عن المناخ السياسي الذي تعيشه المنطقة. فبعد سنوات من الصراعات المفتوحة، بدأت تتشكل مقاربة مختلفة تقوم على بناء منظومات أمنية إقليمية، تتولى فيها دول المنطقة دوراً أكبر في إدارة أمنها، بدلاً من الاعتماد الكامل على التدخلات الخارجية.
من هنا، يبدو لبنان معنياً أكثر من أي وقت مضى بهذه التحولات. فهو ليس طرفاً في اتفاق مكة، لكنه يقع في قلب البيئة الجيوسياسية التي يسعى الاتفاق إلى إعادة تنظيمها. كما أن مفاوضات روما نفسها ليست منفصلة عن هذا السياق، بل تشكل جزءاً من محاولة أوسع لتثبيت الاستقرار على الحدود اللبنانية، وتهيئة الظروف لمرحلة سياسية وأمنية جديدة.
ويرى مراقبون أن الولايات المتحدة تعمل حالياً على إدارة شبكة مترابطة من الملفات، تبدأ من جنوب لبنان، ولا تنتهي عند سوريا والعراق والخليج، بهدف منع اندلاع مواجهات جديدة قد تقوض مسار إعادة ترتيب واقع المنطقة. وفي المقابل، تتحرك قوى إقليمية فاعلة لبناء شراكات أمنية تعزز قدرتها على حماية مصالحها بعيداً من الاستقطابات التقليدية.
أما بالنسبة إلى لبنان، فإن الرسالة تبدو واضحة وهي أنه لا يمكنه أن يبقى خارج حركة التحولات. فالدولة اللبنانية ستكون مطالبة في المرحلة المقبلة بتعزيز مؤسساتها الأمنية والعسكرية، واستكمال مسار بسط سلطتها على كامل أراضيها، بالتوازي مع الاستفادة من أي مناخ إقليمي أكثر استقراراً.
لكن يبقى السؤال الأهم: هل تؤسس هذه التفاهمات لشرق أوسط أكثر استقراراً، أم أنها تعيد إنتاج توازنات جديدة قد تحمل في طياتها أشكالاً مختلفة من التنافس؟
حتى الآن، يصعب إعطاء جواب نهائي. إلا أن المؤكد هو أن المنطقة لم تعد كما كانت قبل سنوات، وأن خرائط النفوذ والتحالفات تُعاد صياغتها بوتيرة متسارعة. وفي هذا المشهد، يبدو لبنان أمام فرصة للاستفادة من مناخ التهدئة، شرط أن ينجح في إنجاز استحقاقاته الداخلية، من استكمال تنفيذ التفاهمات الأمنية، إلى ترسيخ سيادة الدولة، وإطلاق الإصلاحات السياسية والاقتصادية.
فبين روما، حيث تُدار مفاوضات خفض التوتر، ومكة، حيث تُبنى شراكات دفاعية جديدة، يتشكل شرق أوسط مختلف. والسؤال الذي سيحدد موقع لبنان في المرحلة المقبلة هو: هل يكتفي بانتظار نتائج التحولات، أم يحسن توظيفها لإعادة بناء دولته وتعزيز موقعه في الإقليم؟
Advertisement
في المقابل، شكّل الإعلان عن اتفاق مكة للدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان أحد أبرز التطورات الاستراتيجية في المنطقة. فهذا الاتفاق لا يقتصر على تعزيز التعاون العسكري بين ثلاث دول مؤثرة، بل يعكس توجهاً نحو بناء منظومة ردع إقليمية ترتكز على مبدأ الدفاع الجماعي، بما يهدف إلى حماية الاستقرار الإقليمي وإعادة التوازن إلى معادلات القوة في الشرق الأوسط.
ولا يمكن فصل هذا التطور عن المناخ السياسي الذي تعيشه المنطقة. فبعد سنوات من الصراعات المفتوحة، بدأت تتشكل مقاربة مختلفة تقوم على بناء منظومات أمنية إقليمية، تتولى فيها دول المنطقة دوراً أكبر في إدارة أمنها، بدلاً من الاعتماد الكامل على التدخلات الخارجية.
من هنا، يبدو لبنان معنياً أكثر من أي وقت مضى بهذه التحولات. فهو ليس طرفاً في اتفاق مكة، لكنه يقع في قلب البيئة الجيوسياسية التي يسعى الاتفاق إلى إعادة تنظيمها. كما أن مفاوضات روما نفسها ليست منفصلة عن هذا السياق، بل تشكل جزءاً من محاولة أوسع لتثبيت الاستقرار على الحدود اللبنانية، وتهيئة الظروف لمرحلة سياسية وأمنية جديدة.
ويرى مراقبون أن الولايات المتحدة تعمل حالياً على إدارة شبكة مترابطة من الملفات، تبدأ من جنوب لبنان، ولا تنتهي عند سوريا والعراق والخليج، بهدف منع اندلاع مواجهات جديدة قد تقوض مسار إعادة ترتيب واقع المنطقة. وفي المقابل، تتحرك قوى إقليمية فاعلة لبناء شراكات أمنية تعزز قدرتها على حماية مصالحها بعيداً من الاستقطابات التقليدية.
أما بالنسبة إلى لبنان، فإن الرسالة تبدو واضحة وهي أنه لا يمكنه أن يبقى خارج حركة التحولات. فالدولة اللبنانية ستكون مطالبة في المرحلة المقبلة بتعزيز مؤسساتها الأمنية والعسكرية، واستكمال مسار بسط سلطتها على كامل أراضيها، بالتوازي مع الاستفادة من أي مناخ إقليمي أكثر استقراراً.
لكن يبقى السؤال الأهم: هل تؤسس هذه التفاهمات لشرق أوسط أكثر استقراراً، أم أنها تعيد إنتاج توازنات جديدة قد تحمل في طياتها أشكالاً مختلفة من التنافس؟
حتى الآن، يصعب إعطاء جواب نهائي. إلا أن المؤكد هو أن المنطقة لم تعد كما كانت قبل سنوات، وأن خرائط النفوذ والتحالفات تُعاد صياغتها بوتيرة متسارعة. وفي هذا المشهد، يبدو لبنان أمام فرصة للاستفادة من مناخ التهدئة، شرط أن ينجح في إنجاز استحقاقاته الداخلية، من استكمال تنفيذ التفاهمات الأمنية، إلى ترسيخ سيادة الدولة، وإطلاق الإصلاحات السياسية والاقتصادية.
فبين روما، حيث تُدار مفاوضات خفض التوتر، ومكة، حيث تُبنى شراكات دفاعية جديدة، يتشكل شرق أوسط مختلف. والسؤال الذي سيحدد موقع لبنان في المرحلة المقبلة هو: هل يكتفي بانتظار نتائج التحولات، أم يحسن توظيفها لإعادة بناء دولته وتعزيز موقعه في الإقليم؟




0 تعليق