Advertisement
فالمشهد الحالي لا يوحي بوجود إرادة حقيقية لدى الأطراف المتصارعة للتراجع، بل على العكس، يكشف عن استعدادات متسارعة قد تقود إلى مواجهة ستكون الأكبر منذ سنوات.
وتشير التطورات الأخيرة إلى أن ساحات مثل اليمن والعراق مرشحة لتكون في قلب أي مواجهة مقبلة، فيما تبدو دول الخليج، وفي مقدمتها السعودية، أمام تحديات أمنية واقتصادية غير مسبوقة إذا توسعت دائرة الاشتباك. فالحرب، إذا اندلعت بهذا الحجم، لن تقتصر على المواجهات العسكرية، بل ستنعكس مباشرة على أسواق الطاقة، وحركة التجارة، والاستثمارات، والبنى التحتية، بما قد يؤدي إلى خسائر اقتصادية ضخمة تمتد آثارها إلى المنطقة بأكملها.
والأخطر أن هذا النوع من الحروب قد يصبح، بالنسبة لبعض القوى المنخرطة في الصراع، وسيلة لتحقيق أهداف استراتيجية يصعب الوصول إليها عبر التفاوض. لذلك، فإن فرص احتواء المواجهة بعد انطلاقها قد تكون محدودة، لأن استمرارها قد يخدم حسابات سياسية وعسكرية لدى أطراف ترى في التصعيد فرصة لإعادة رسم موازين القوى في الشرق الأوسط.
وفي لبنان، تبدو المؤشرات بدورها مقلقة. فالتصعيد الميداني عاد إلى الواجهة، فيما تواصل إسرائيل رفع مستوى جاهزيتها بعد الضربة التي تعرضت لها في منطقة علي الطاهر، في ظل استمرار عمليات القصف والردود المتبادلة. ويعكس هذا الواقع حالة استنفار متواصلة، مع تزايد المخاوف من أن يؤدي أي خطأ في الحسابات إلى توسع الاشتباك بشكل يصعب احتواؤه لاحقاً.
وفي الوقت نفسه، تستمر إيران في تنفيذ تحركات وضربات استباقية على أكثر من محور، بالتزامن مع توقف الضربات الاميركية المباشرة لفترة، قبل أن تعود واشنطن إلى الرد على بعض التحركات الإيرانية. ويؤكد هذا المشهد أن التوتر لم ينخفض فعلياً، بل انتقل إلى مرحلة أكثر تعقيداً، تقوم على تبادل الرسائل العسكرية ومحاولات فرض قواعد اشتباك جديدة من دون الانزلاق الكامل نحو الحرب الشاملة، رغم أن هذا الاحتمال لا يزال قائماً بقوة.
ورغم خطورة المشهد، لا تزال هناك قناعة لدى العديد من المراقبين بأن الولايات المتحدة لا ترى مصلحة لها في خوض حرب مفتوحة ونهائية مع إيران، خاصة في ظل الكلفة العسكرية والاقتصادية والسياسية التي قد تترتب على مثل هذا الخيار. ولذلك، يبدو أن واشنطن لا تزال تفضل الوصول إلى صيغة توقف الاستنزاف المتبادل، حتى وإن تطلب ذلك مفاوضات معقدة أو تسويات مرحلية تحفظ مصالح كل الأطراف.
في المقابل، توحي تحركات قوى المحور بأنها مصممة على مواصلة التصعيد خلال هذه المرحلة تحديداً، انطلاقاً من قناعة بأن رفع مستوى الضغط قد يمنحها أوراقاً إضافية على طاولة أي مفاوضات مقبلة. وهذا ما يجعل الأيام المقبلة شديدة الحساسية، لأن أي تطور ميداني قد يبدل المشهد بالكامل، ويدفع المنطقة إلى مواجهة يصعب السيطرة على تداعياتها.
وبين احتمال الانفجار الكبير وإمكانية التوصل إلى تسوية في اللحظات الأخيرة، تبقى المنطقة معلقة على توازن شديد الهشاشة. وإذا فشلت الجهود السياسية في وقف مسار التصعيد، فقد تدخل المنطقة مرحلة جديدة من الصراع ستكون الأكثر اتساعاً وتعقيداً منذ سنوات، لكنها قد تتحول في نهاية المطاف إلى الممر الإلزامي نحو تسوية شاملة تعيد رسم التوازنات الإقليمية بصورة مختلفة تماماً.







0 تعليق