Advertisement
فالبيان، وإن جاء بلغة عسكرية هادئة، حمل رسائل واضحة إلى أكثر من جهة. فمن جهة، أكد أن الجيش مستمر في تنفيذ المهمات الموكلة إليه، لكنه ربط استكمال انتشاره الكامل بانسحاب القوات الإسرائيلية من المواقع التي لا تزال تحتلها، ووقف الاعتداءات والخروقات المتكررة. ومن جهة أخرى، وجّه رسالة إلى الداخل والخارج بأن المؤسسة العسكرية ليست الطرف الذي يعرقل تنفيذ الاتفاق، بل إنها تنتظر استكمال الشروط التي يفرضها الاتفاق نفسه.
وفي الواقع، لا يمكن فصل هذا الموقف عن الخطاب السياسي الذي يعتمده رئيس الجمهورية منذ انطلاق تنفيذ اتفاق الإطار. فجوزاف عون يكرر في كل مناسبة أن استعادة السيادة تبدأ بانسحاب إسرائيل من الأراضي اللبنانية، وأن أي حديث عن استكمال الالتزامات اللبنانية يجب أن يواكبه تنفيذ إسرائيل التزاماتها كاملة، باعتبار أن الاتفاق يقوم على مبدأ التوازن في التنفيذ، لا على فرض وقائع أحادية الجانب.
وتكشف أوساط سياسية أن لبنان الرسمي يتعامل بحذر مع محاولات نقل النقاش سريعاً إلى ملفات داخلية، وفي مقدمها ملف سلاح "حزب الله"، قبل إنجاز الانسحاب الإسرائيلي. وتعتبر هذه الأوساط أن قبول هذا الترتيب يعني عملياً منح إسرائيل ورقة تفاوضية إضافية، والسماح لها بالاحتفاظ بمواقعها العسكرية كورقة ضغط في أي مفاوضات لاحقة.
ومن هنا، يمكن فهم بيان الجيش على أنه تثبيت لمعادلة جديدة، وهي أن لا انتشار كاملاً من دون انسحاب كامل، ولا تنفيذ متوازناً للاتفاق إذا بقي الاحتلال قائماً. فالجيش لا يرفض تنفيذ مهماته، بل يطالب بتوفير الظروف التي تجعل هذا التنفيذ ممكناً وفعّالاً، بعيداً من أي محاولات لتحميله مسؤولية عراقيل ليست من صنعه.
وفي الوقت نفسه، يشكل البيان حماية للمؤسسة العسكرية نفسها. فالقيادة تدرك أن الرأي العام يتساءل عن أسباب عدم استكمال الانتشار في بعض المناطق، لكنها أرادت أن تضع المسؤولية في إطارها الصحيح، مؤكدة أن استمرار الوجود الإسرائيلي والخروقات الأمنية يحدّان من قدرة الجيش على إنجاز مهماته وفق ما هو مخطط له.
سياسياً، يعكس هذا الموقف درجة عالية من التنسيق بين بعبدا واليرزة. فرئاسة الجمهورية تسعى إلى تثبيت مرجعية الدولة في إدارة هذا الملف، فيما تتولى المؤسسة العسكرية ترجمة هذا التوجه على الأرض. ويبدو واضحاً أن هناك قراراً بعدم السماح بفصل المسارين، أي الانسحاب الإسرائيلي من جهة، واستكمال بسط سلطة الدولة من جهة أخرى، لأن أي اختلال في هذا التوازن قد ينعكس على مجمل الاتفاق.
ولا يقتصر مضمون البيان على مخاطبة الداخل اللبناني، بل يتوجه أيضاً إلى الولايات المتحدة، الراعية لاتفاق الإطار، وإلى لجنة المتابعة الدولية. فالرسالة الأساسية هي أن لبنان لن يقبل بتجزئة الالتزامات أو إعادة ترتيب أولويات الاتفاق بما يخدم الجانب الإسرائيلي، وأن المطلوب من المجتمع الدولي ممارسة الضغط نفسه على إسرائيل لتنفيذ ما تعهدت به، تماماً كما يطالب لبنان بتنفيذ التزاماته.
وهنا تكمن أهمية الربط بين بيان قيادة الجيش ومواقف رئيس الجمهورية. فكلاهما يعكسان رؤية رسمية واحدة تعتبر أن استعادة الدولة لدورها لا تبدأ بفتح ملفات الخلاف الداخلي، بل بإنهاء الاحتلال واستكمال بسط السيادة على كامل الأراضي اللبنانية. وبعد ذلك فقط، يصبح من الممكن الانتقال إلى معالجة الملفات الوطنية الأخرى ضمن حوار لبناني وبرعاية مؤسسات الدولة.
لذلك، لا يبدو بيان الجيش مجرد موقف تقني يتعلق بانتشار الوحدات العسكرية، بل يشكل إعلانا واضحا عن ترتيب الأولويات الذي تتمسك به الدولة اللبنانية. فبالنسبة إلى بعبدا واليرزة، يبقى الانسحاب الإسرائيلي هو المدخل الإلزامي لكل ما يليه، فيما أي محاولة للقفز فوق هذه الأولوية لن تؤدي إلا إلى تعقيد مسار الاتفاق وإطالة أمد الأزمة.
ومن هنا، فإن المرحلة المقبلة لن تُقاس فقط بسرعة تنفيذ البنود العسكرية، بل بقدرة لبنان على تثبيت هذا الترتيب في مواجهة الضغوط الخارجية، بحيث يبقى تنفيذ اتفاق الإطار عملية متوازنة ومتبادلة، لا سلسلة من الالتزامات تُفرض على طرف واحد دون الآخر.



0 تعليق