كنوز تحت البحر.. ماذا يخفي الساحل اللبناني؟

لبنان24 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف
لا توجد كل آثار لبنان في القلاع والمعابد والمواقع القديمة المعروفة. جزء من تاريخ البلاد لا يزال تحت مياه البحر، موزعاً على طول الساحل، من صور وصيدا إلى جبيل وأنفه. مرافئ قديمة، كاسرات أمواج، مراسٍ حجرية وبقايا منشآت بحرية، إضافة إلى احتمال وجود سفن غارقة وحمولات تجارية لم تخضع بعد لمسوح أثرية شاملة.

Advertisement

 
تندرج هذه المواقع ضمن ما يُعرف بـ"التراث الثقافي المغمور بالمياه". ووفق اتفاقية اليونسكو، يشمل المصطلح الآثار البشرية ذات القيمة الثقافية أو التاريخية أو الأثرية التي بقيت تحت الماء، جزئياً أو كلياً، مدة لا تقل عن مئة عام. وينطبق ذلك على المنشآت والمواقع والسفن الغارقة وحمولاتها والقطع المنفردة.
 
في لبنان، يرتبط هذا الملف بتاريخ المدن الساحلية التي أدت أدواراً أساسية في التجارة والملاحة في شرق البحر المتوسط. فالمدن الفينيقية لم تكن تجمعات سكنية معزولة، بل مراكز بحرية تحركت منها السفن والبضائع نحو مناطق مختلفة. ومن هنا، لا تمثل المرساة الحجرية أو بقايا الرصيف البحري قطعة أثرية منفصلة، بل تشكل دليلاً على نشاط اقتصادي واتصال مستمر بين الساحل اللبناني ومحيطه.لبنان انضم إلى اتفاقية اليونسكو لحماية التراث الثقافي المغمور بالمياه، بعدما أودع وثيقة قبوله في 8 كانون الثاني 2007. وبموجب الاتفاقية، لا تقتصر مسؤولية الدولة على ملاحقة سرقة الآثار، بل تشمل أيضاً تنظيم عمليات البحث والغوص، وحماية المواقع البحرية من المشاريع الإنشائية أو عمليات الردم التي قد تزيل معالمها قبل دراستها وتوثيقها.
 
وتبقى صور الموقع الأبرز في هذا الملف. فاليونسكو تشير إلى أن جزءاً مهماً من آثار المدينة موجود تحت الماء، في منطقة ارتبطت تاريخياً بالتجارة البحرية الفينيقية وانتشارها في المتوسط.
 
وفي الجهة الشمالية من المدينة، وثّقت مؤسسة "Honor Frost Foundation" كاسر أمواج قديماً مغموراً يبلغ طوله نحو 80 متراً وعرضه قرابة 12.7 متراً. وأظهر المسح وجود حجارة كبيرة وآثار قطع في الصخر، ما يقدم معطيات إضافية عن المنشآت التي استخدمتها المدينة في نشاطها البحري.
 
لكن ما جرى توثيقه قد لا يمثل سوى جزء من الموقع. فلا يزال تحديد الامتداد الحقيقي لآثار صور البحرية يحتاج إلى مسوح أوسع، فيما تواجه البقايا الموجودة مخاطر متعددة، بينها التيارات البحرية والتلوث والردميات وتوسعة المرافئ والأعمال العمرانية والغوص غير المنظم.
 
وفي جبيل، تعمل بعثة على دراسة المجالين الساحلي والبحري للمدينة بالتعاون مع المديرية العامة للآثار. ويستكمل المشروع أبحاثاً بدأتها عالمة الآثار البحرية هونور فروست في ستينيات القرن الماضي، قبل أن تتوقف خلال الحرب اللبنانية ثم تُستأنف لاحقاً.
 
وتتركز أهمية هذه الأبحاث على محاولة فهم علاقة جبيل بالبحر، والدور الذي أداه المرفأ في صعودها التجاري. فالمدينة لم تكتسب مكانتها التاريخية من موقعها البري وحده، بل من قدرتها على التواصل مع موانئ المتوسط ونقل السلع عبرها.
 
أما أنفه، فتحولت خلال السنوات الماضية إلى موقع للتدريب على أعمال المسح والتسجيل تحت الماء. وأتاحت مشاريع عديدة إعداد كوادر محلية قادرة على التعامل مع المواقع البحرية وفق المعايير العلمية، بدلاً من إبقاء هذا الاختصاص مرتبطاً بالبعثات الأجنبية فقط.
 
ولا تُنشر بالضرورة مواقع كافة الآثار المكتشفة. فاتفاقية اليونسكو تتيح حصر المعلومات المتعلقة ببعض المواقع بالسلطات المختصة عندما يشكل إعلانها خطراً عليها. لذلك، قد يكون غياب التفاصيل عن بعض الاكتشافات مرتبطاً بمنع الغواصين غير المرخص لهم وتجار الآثار من الوصول إليها.
 
مع ذلك، لا يزال لبنان في حاجة إلى مسح وطني شامل لما يوجد قبالة شواطئه، وتحديد المواقع الأكثر عرضة للخطر. ويتطلب ذلك تنسيقاً بين وزارة الثقافة والمديرية العامة للآثار والجامعات والبلديات الساحلية والغطاسين المتخصصين.فالوقت لا يعمل لمصلحة هذه المواقع. وكل مشروع  من دون مسح أثري مسبق قد يؤدي إلى خسارة معالم لم تُكتشف أصلاً. فتحت الساحل اللبناني سجلّ طويل من حركة المدن والسفن والتجارة، لكن أجزاء واسعة منه لا تزال بلا خريطة.

أخبار ذات صلة

0 تعليق