هل بدأت معركة استعادة لبنان سلطته كاملةً؟

لبنان24 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف
إذا كانت الحروب تُقاس بعدد الصواريخ والغارات، فإن المعارك السياسية تُقاس بحجم التحولات التي تسبقها والتي تليها. وما يشهده لبنان اليوم يوحي بأن البلاد دخلت مرحلة مختلفة، عنوانها إعادة رسم موازين القوى، ليس على الأرض فحسب، بل داخل مؤسسات الدولة أيضاً. وما زيارة رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون لواشنطن ولقاؤه الرئيس الأميركي دونالد ترامب، على رغم ما يتعرّض له من انتقادات من قِبل "الفريق الممانع"، سوى حلقة من سلسلة خطوات من شأنها دفع الأمور المتأزمة إلى حلحلة ممنهجة حتى ولو كانت تبدو للبعض بطيئة.

Advertisement

فمن يراقب مواقف الأيام والأسابيع الأخيرة، يلاحظ أن التطورات لم تعد منفصلة عن بعضها البعض. فدعوة "القوات اللبنانية" إلى انتخابات نيابية مبكرة، والتبدل اللافت في الخطاب السوري تجاه "حزب الله"، واستمرار الضغوط الأميركية لتطبيق ترتيبات ما بعد الحرب، والحديث المتزايد عن حصرية السلاح بيد الدولة، ليست أحداثاً متفرقة، بل تبدو وكأنها أجزاء من مشهد سياسي واحد يتشكل تدريجياً.
في المقابل، لا يزال "حزب الله" يتعامل مع هذه المرحلة باعتبارها امتداداً لمعركة الصمود التي خاضها في السنوات الماضية، فيما يرى خصومه أن ميزان القوى الإقليمي بدأ يتحرك في اتجاه مختلف، وأن ما كان ممكناً قبل سنوات لم يعد كذلك اليوم.
اللافت أن الصراع لم يعد يدور حول مسائل شكلية كتشكيل الحكومات مثلًا أو تقاسم حقائب وزارية أو تعيينات إدارية، بل حول سؤال أكثر عمقاً يتعلق بمن سيرسم ملامح لبنان في السنوات المقبلة، وإذا ما كانت المرحلة الجديدة ستولد لقيادة دولة أكثر حضوراً، أم أن التوازنات التقليدية ستنجح مرة جديدة في احتواء أي تغيير؟
من هنا، يمكن فهم دعوة "القوات اللبنانية" إلى انتخابات نيابية مبكرة. فالحزب يدرك أن إجراءها في المدى المنظور ليس أمراً سهلاً، لكنه أراد أن يطلق نقاشاً حول شرعية المجلس الحالي، في ظل التحولات التي شهدها لبنان والمنطقة. إنها محاولة لربط أي مشروع إصلاحي بإعادة إنتاج السلطة عبر صندوق الاقتراع.
وفي المقلب الآخر، جاء الخطاب السوري الجديد تجاه "حزب الله" ليضيف عنصراً آخر إلى المشهد. فمهما كانت دوافع دمشق، فإن مجرد استخدام لغة مختلفة حيال الحزب يطرح تساؤلات حول طبيعة المرحلة التي تدخلها سوريا، وحول ما إذا كانت تعيد تموضعها ضمن توازنات إقليمية جديدة، يكون فيها ملف النفوذ الإيراني وطرق الإمداد البرية جزءاً من المفاوضات الكبرى. ومن المرجّح أن يكون هذا الموضوع الحساس من بين الملفات المهمة، التي سيطرحها الرئيس عون مع الرئيس الأميركي.
وبالتوازي فإن واشنطن تبدو أكثر تركيزاً على تثبيت معادلة تعتبر أن استقرار لبنان لا يقتصر على وقف إطلاق النار، بل يمر أيضاً عبر تعزيز مؤسسات الدولة، وتمكين الجيش، واستكمال الإصلاحات، وربط أي دعم دولي بإجراءات سيادية واقتصادية واضحة.
لكن في المقابل، لا تزال هناك عوامل تدعو إلى الحذر في قراءة المشهد. فالمنطقة لم تصل بعد إلى تسوية شاملة، والمفاوضات الإقليمية لم تنته، كما أن اللاعبين الأساسيين لا يزالون يحتفظون بأوراق قوة تمنع أي طرف من فرض رؤيته منفرداً. لذلك، قد يكون من المبكر الحديث عن تغيير كامل في موازين القوى.
ما يبدو مؤكداً هو أن لبنان دخل مرحلة انتقالية. ففيها تتراجع الملفات التقليدية أمام أسئلة أكبر تتعلق بدور الدولة، ومستقبل السلاح، وشكل السلطة، وعلاقة لبنان بمحيطه العربي والمجتمع الدولي.
لذلك، فإن معركة لبنان الجديدة قد لا تكون عسكرية، بل سياسية بامتياز. معركة عنوانها الشرعية، والدستور، والمؤسسات، وإعادة تكوين السلطة، في وقت يدرك فيه الجميع أن أي تسوية إقليمية لن تكتمل من دون إعادة ترتيب البيت اللبناني.
ويبقى السؤال مفتوحاً: هل نحن أمام بداية مسار طويل يقود إلى تغيير تدريجي في بنية النظام السياسي، أم أن لبنان، كما في محطات كثيرة من تاريخه، سيعود إلى إنتاج التسويات نفسها، ولو بأسماء وعناوين مختلفة؟
الإجابة لن تحسمها التصريحات ولا المواقف المرتفعة السقف، بل ما ستكشفه الأشهر المقبلة من خطوات عملية، سواء على مستوى الداخل اللبناني أو في ضوء التحولات المتسارعة التي تشهدها المنطقة.

 

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق