يشهد العالم سباقاً فضائياً غير مسبوق. إطلاقات الصواريخ تتزايد خلال الحروب، والاستثمارات تتسع، والفضاء لم يعد ساحة حكومية مغلقة، بل تحوّل إلى سوق تجارية مفتوحة. لكن خلف هذا الاندفاع التكنولوجي، يبرز سؤالٌ علميٌّ يُطرَح بشكلٍ شبه يوميّ: ماذا تترك هذه الصواريخ في السماء بعد أن تختفي عن الأنظار؟ أو خلال توجهها إلى أهدافها مثل ما يحصل اليوم وسط الحرب الدائرة في الشرق الاوسط؟
المعطيات المتراكمة في السنوات الأخيرة تشير إلى أن المسألة لا تتعلق فقط بالكربون، بل أيضاً بجسيمات دقيقة ومواد كيميائية تُحقن مباشرة في طبقات عليا من الغلاف الجوي، حيث يكون أثرها مختلفاً وأكثر تعقيداً من التلوث المعتاد قرب سطح الأرض.
وتشير مراجعات علمية وأوراق صادرة عن ناسا و"NOAA" إلى أن انبعاثات الإطلاقات وإعادة الدخول إلى الغلاف الجوي قد تؤثر في المناخ، وفي طبقة الأوزون، وفي كيمياء الطبقات العليا من الجو، فيما ينمو القطاع الفضائي بسرعة لافتة.
وفي قراءة علمية لهذا المشهد، تقول لينا نحلة، الخبيرة المتخصصة في الكيمياء لـ"لبنان24" انه استناداً إلى نتائج الدراسات المنشورة، فإن "المشكلة ليست في عدد الصواريخ فقط، بل في مكان انبعاثاتها". وتشرح أن كثيراً من الملوثات الصادرة عن الصواريخ لا تبقى في الطبقات السفلى من الجو حيث تتشتت بسرعة نسبية، بل تصل إلى الستراتوسفير، أي المنطقة الحساسة نفسها التي توجد فيها طبقة الأوزون. وهناك، يمكن لجزيئات مثل الكربون الأسود وأكسيد الألمنيوم ومركبات الكلور أن تبقى لفترة أطول، وأن تتفاعل بطريقة تختلف جذرياً عن عوادم الطائرات أو المصانع على الأرض.
وعن سؤال، ما أكثر ما يقلق العلماء اليوم؟ جاء الجواب واضحاً: "الكربون الأسود أولاً". فالدراسات الحديثة تعتبر أن السخام الصادر عن بعض أنواع الوقود الصاروخي، ولا سيما الوقود الهيدروكربوني، يملك قدرة مرتفعة على امتصاص الإشعاع الشمسي عندما يُحقن في الطبقات العليا.
إحدى الدراسات أشارت إلى أن جسيمات الكربون الأسود المنبعثة من الصواريخ قد تكون أكثر كفاءة بمئات المرات في حبس الحرارة مقارنة بالسخام الصادر من مصادر أخرى عند سطح الأرض أو من الطيران، لأن وجودها في الستراتوسفير يطيل عمرها ويضخم أثرها الإشعاعي. كما أظهرت أعمال "NOAA" أن تراكم هذا السخام يمكن أن يرفع حرارة الستراتوسفير ويغير بعض أنماط الدوران الجوي، وهو ما ينعكس بدوره على الأوزون.
لكن القصة لا تنتهي عند السخام. فنحلة تشير أيضاً إلى أن الصواريخ العاملة بالوقود الصلب لها دورها بعملية إهلاك الغلاف الجوي، لأنها قد تطلق الكلور وأكسيد الألمنيوم، وهما عنصران يرتبطان منذ عقود بأبحاث استنزاف الأوزون.
وتوضح أن الكلور في الستراتوسفير ليس تفصيلاً صغيراً، لأنه يدخل في تفاعلات كيميائية تُضعف الأوزون، فيما تعمل جسيمات الألمنيوم كمساحات مساعدة لبعض التفاعلات الكيميائية الحساسة. وعن حجم الخطر الآن،تقول إن العلم لا يقول إن الصواريخ أصبحت اليوم أكبر ملوث على الكوكب، لكنه يقول شيئاً أكثر دقة: إنها مصدر تلوث صغير نسبياً لكنه سريع النمو ويصيب طبقة حساسة جداً من الغلاف الجوي. وهذه نقطة مهمة، لأن كثيراً من القطاعات الملوِّثة تخضع منذ سنوات لمراقبة ومعايير صارمة، بينما لا يزال قطاع الإطلاقات الفضائية متأخراً تشريعياً وعلمياً من حيث القياس المنتظم لأثره البيئي. وحتى "ناسا" نفسها خلصت في ورقة مرجعية حديثة إلى أن الفهم العلمي الحالي لا يزال غير كافٍ لتقييم الخطر الكامل على نحو دقيق، وأن هناك حاجة إلى برنامج بحثي منظم لأن الصناعة الفضائية تتوسع بسرعة أكبر.
من الناحية العلمية، لا تكمن المشكلة فقط في الصاروخ نفسه، بل في السلسلة الكاملة التي يطلقها في الجو.
فالضربة الصاروخية كثيراً ما تتسبب في احتراق مبانٍ ومواد بلاستيكية ووقود وركام إسمنتي ومعادن ومواد عازلة، ما يطلق في الهواء خليطاً من الغبار والدخان والجسيمات الدقيقة جداً. وهذه الجسيمات، ولا سيما PM2.5، هي الأخطر صحياً لأنها تتسلل عميقاً إلى الرئتين وقد تصل إلى مجرى الدم.
منظمة الصحة العالمية تؤكد أن التعرّض المرتفع لهذا النوع من التلوث يرتبط بأمراض تنفسية وقلبية وسكتات دماغية وسرطان الرئة، ويشكّل خطراً أكبر على الأطفال وكبار السن والمرضى.
وفي واحدة من الدراسات الحديثة المرتبطة بالحروب، سجّل باحثون ارتفاعات حادة في مستويات PM2.5 خلال الهجمات الصاروخية وهجمات المسيّرات، وربطوا ذلك مباشرة بالانفجارات والحرائق وتدمير البنية العمرانية والصناعية. أهمية هذه النتيجة أنها تقدم دليلاً ميدانياً على أن الضربات العسكرية لا تُنتج فقط موجة انفجار آنية، بل تخلق أيضاً "نبضة تلوث" حادة تضرب الهواء الحضري في وقت قصير وقد تترك آثاراً تتجاوز يوم الهجوم نفسه.
وعليه، في الحروب، لا تنتهي آثار الصواريخ عند حدود الدمار المرئي، ولا عند عدد الضحايا والمباني المهدمة، بل تمتد إلى ما هو أخطر وأطول عمراً: الهواء نفسه. فالسماء التي تمتلئ بالدخان بعد كل ضربة، تحمل في طياتها وجهاً آخر للحرب غير صاخب لكنه شديد القسوة.
المعطيات المتراكمة في السنوات الأخيرة تشير إلى أن المسألة لا تتعلق فقط بالكربون، بل أيضاً بجسيمات دقيقة ومواد كيميائية تُحقن مباشرة في طبقات عليا من الغلاف الجوي، حيث يكون أثرها مختلفاً وأكثر تعقيداً من التلوث المعتاد قرب سطح الأرض.
وتشير مراجعات علمية وأوراق صادرة عن ناسا و"NOAA" إلى أن انبعاثات الإطلاقات وإعادة الدخول إلى الغلاف الجوي قد تؤثر في المناخ، وفي طبقة الأوزون، وفي كيمياء الطبقات العليا من الجو، فيما ينمو القطاع الفضائي بسرعة لافتة.
وفي قراءة علمية لهذا المشهد، تقول لينا نحلة، الخبيرة المتخصصة في الكيمياء لـ"لبنان24" انه استناداً إلى نتائج الدراسات المنشورة، فإن "المشكلة ليست في عدد الصواريخ فقط، بل في مكان انبعاثاتها". وتشرح أن كثيراً من الملوثات الصادرة عن الصواريخ لا تبقى في الطبقات السفلى من الجو حيث تتشتت بسرعة نسبية، بل تصل إلى الستراتوسفير، أي المنطقة الحساسة نفسها التي توجد فيها طبقة الأوزون. وهناك، يمكن لجزيئات مثل الكربون الأسود وأكسيد الألمنيوم ومركبات الكلور أن تبقى لفترة أطول، وأن تتفاعل بطريقة تختلف جذرياً عن عوادم الطائرات أو المصانع على الأرض.
وعن سؤال، ما أكثر ما يقلق العلماء اليوم؟ جاء الجواب واضحاً: "الكربون الأسود أولاً". فالدراسات الحديثة تعتبر أن السخام الصادر عن بعض أنواع الوقود الصاروخي، ولا سيما الوقود الهيدروكربوني، يملك قدرة مرتفعة على امتصاص الإشعاع الشمسي عندما يُحقن في الطبقات العليا.
إحدى الدراسات أشارت إلى أن جسيمات الكربون الأسود المنبعثة من الصواريخ قد تكون أكثر كفاءة بمئات المرات في حبس الحرارة مقارنة بالسخام الصادر من مصادر أخرى عند سطح الأرض أو من الطيران، لأن وجودها في الستراتوسفير يطيل عمرها ويضخم أثرها الإشعاعي. كما أظهرت أعمال "NOAA" أن تراكم هذا السخام يمكن أن يرفع حرارة الستراتوسفير ويغير بعض أنماط الدوران الجوي، وهو ما ينعكس بدوره على الأوزون.
لكن القصة لا تنتهي عند السخام. فنحلة تشير أيضاً إلى أن الصواريخ العاملة بالوقود الصلب لها دورها بعملية إهلاك الغلاف الجوي، لأنها قد تطلق الكلور وأكسيد الألمنيوم، وهما عنصران يرتبطان منذ عقود بأبحاث استنزاف الأوزون.
وتوضح أن الكلور في الستراتوسفير ليس تفصيلاً صغيراً، لأنه يدخل في تفاعلات كيميائية تُضعف الأوزون، فيما تعمل جسيمات الألمنيوم كمساحات مساعدة لبعض التفاعلات الكيميائية الحساسة. وعن حجم الخطر الآن،تقول إن العلم لا يقول إن الصواريخ أصبحت اليوم أكبر ملوث على الكوكب، لكنه يقول شيئاً أكثر دقة: إنها مصدر تلوث صغير نسبياً لكنه سريع النمو ويصيب طبقة حساسة جداً من الغلاف الجوي. وهذه نقطة مهمة، لأن كثيراً من القطاعات الملوِّثة تخضع منذ سنوات لمراقبة ومعايير صارمة، بينما لا يزال قطاع الإطلاقات الفضائية متأخراً تشريعياً وعلمياً من حيث القياس المنتظم لأثره البيئي. وحتى "ناسا" نفسها خلصت في ورقة مرجعية حديثة إلى أن الفهم العلمي الحالي لا يزال غير كافٍ لتقييم الخطر الكامل على نحو دقيق، وأن هناك حاجة إلى برنامج بحثي منظم لأن الصناعة الفضائية تتوسع بسرعة أكبر.
من الناحية العلمية، لا تكمن المشكلة فقط في الصاروخ نفسه، بل في السلسلة الكاملة التي يطلقها في الجو.
فالضربة الصاروخية كثيراً ما تتسبب في احتراق مبانٍ ومواد بلاستيكية ووقود وركام إسمنتي ومعادن ومواد عازلة، ما يطلق في الهواء خليطاً من الغبار والدخان والجسيمات الدقيقة جداً. وهذه الجسيمات، ولا سيما PM2.5، هي الأخطر صحياً لأنها تتسلل عميقاً إلى الرئتين وقد تصل إلى مجرى الدم.
منظمة الصحة العالمية تؤكد أن التعرّض المرتفع لهذا النوع من التلوث يرتبط بأمراض تنفسية وقلبية وسكتات دماغية وسرطان الرئة، ويشكّل خطراً أكبر على الأطفال وكبار السن والمرضى.
وفي واحدة من الدراسات الحديثة المرتبطة بالحروب، سجّل باحثون ارتفاعات حادة في مستويات PM2.5 خلال الهجمات الصاروخية وهجمات المسيّرات، وربطوا ذلك مباشرة بالانفجارات والحرائق وتدمير البنية العمرانية والصناعية. أهمية هذه النتيجة أنها تقدم دليلاً ميدانياً على أن الضربات العسكرية لا تُنتج فقط موجة انفجار آنية، بل تخلق أيضاً "نبضة تلوث" حادة تضرب الهواء الحضري في وقت قصير وقد تترك آثاراً تتجاوز يوم الهجوم نفسه.
وعليه، في الحروب، لا تنتهي آثار الصواريخ عند حدود الدمار المرئي، ولا عند عدد الضحايا والمباني المهدمة، بل تمتد إلى ما هو أخطر وأطول عمراً: الهواء نفسه. فالسماء التي تمتلئ بالدخان بعد كل ضربة، تحمل في طياتها وجهاً آخر للحرب غير صاخب لكنه شديد القسوة.










0 تعليق