تشير مصادر دبلوماسية مطّلعة إلى أنّ هذا المسار لا يعكس اتفاقاً مكتملاً، بل يعبّر عن مرحلة تفاوضية لا تزال في بدايتها، حيث تضع الأطراف المعنية شروطها وتسعى إلى فرضها. وفي هذا السياق، لم يعد مضيق "هرمز" مجرّد ممرّ مائي، بل تحوّل إلى ورقة تفاوضية مركزية تؤثّر في الاقتصاد العالمي وفي مسار التفاوض نفسه.
في هذا الإطار، بدا واضحاً أنّ مضيق "هرمز" تحوّل إلى وسيلة ضغط مباشرة، إذ إنّ فتح الممرّ البحري بالكامل انعكس سريعاً على الأسواق، فانخفضت أسعار النفط واقتربت من حدود التسعين دولاراً للبرميل، بالتوازي مع عودة النشاط إلى الأسواق المالية وتراجع القلق في حركة الشحن وسلاسل الإمداد، ما يبيّن حجم التأثير الذي تملكه إيران عبر المضيق وقدرتها على توجيه إيقاع الاقتصاد العالمي وفق مسار التفاوض.
ويأتي قرار فتح مضيق "هرمز"، وفق المصادر، كخطوة مؤقتة ضمن مسار تفاوضي مستمر، ما يُبقي هذه الورقة حاضرة على الطاولة. وفي هذا السياق، يبرز إدخال لبنان ضمن هذه المعادلة كعنصر أساسي، إذ لم يعد ملفه منفصلاً، بل دخل مباشرة ضمن معادلة ترتبط بالمضيق وتداعياته، حيث تشير المصادر إلى أنّ هذا الربط يعكس تحوّلاً نوعياً في إدارة الصراع، إذ تتعامل إيران مع الساحات المختلفة كوحدة مترابطة، ما يعزّز عملياً مقاربة وحدة الساحات بصيغة أكثر تماسكاً وتأثيراً.
ولعلّ هذا التحوّل لم يمرّ من دون تداعيات مباشرة على إسرائيل، التي تجد نفسها أمام معادلة مختلفة عمّا سعت إليه خلال المرحلة الماضية. فربط المسار اللبناني بمضيق "هرمز" يعني عملياً نقل مركز الثقل من ساحة يمكن الضغط فيها عسكرياً إلى ساحة أوسع تتداخل فيها الحسابات الاقتصادية الدولية. وبحسب المصادر، فإن هذا الربط أضعف قدرة إسرائيل على التعامل مع الملف اللبناني كمسار منفصل، وحدّ من هامش المناورة الذي حاولت تكريسه سابقاً، خصوصاً في ما يتعلّق بالضغط لنزع سلاح "حزب الله". هذا الواقع، وفق المصادر، يضع إسرائيل أمام معادلة أكثر تعقيداً، حيث لم يعد بإمكانها فرض إيقاع أحادي، بل باتت مضطرة للتعامل مع توازنات أوسع تُدار خارج قدرتها المباشرة.
وفي موازاة ذلك، تشير المصادر إلى أنّ مسار التفاوض لم ينفصل عن شروط واضحة جرى تثبيتها قبل الانخراط فيه، من بينها وقف الهجوم على لبنان والتعامل مع ملف الأموال الإيرانية المجمدة. كما تشير الى أنّ إدراج هذه الملفات ضمن الإطار التفاوضي لم يأتِ بسهولة، بل نتيجة ضغط متبادل فرض إعادة طرحها كبنود أساسية بعد محاولات لتجاوزها أو الالتفاف عليها.
في المقابل، تؤكّد المصادر أنّ طهران لم تُبدِ أي استعداد للتراجع في ملفاتها الاستراتيجية، وعلى رأسها البرنامج النووي والصاروخي، على خلاف ما يُروَّج حول نيتها تقديم تنازلات أو القبول بشروط تمسّ هذه الملفات. حيث أنّ إيران تتمسّك بهذه القدرات كحقوق سيادية لا تخضع للنقاش أو المقايضة. كما تعكس التصريحات الرسمية أنّ فتح مضيق "هرمز" لا يقتصر على كونه ورقة ضغط، بل يحمل أيضاً بعداً اقتصادياً مباشراً من خلال العائدات المرتبطة بحركة الملاحة.
ورغم هذه المعطيات، لا يزال المسار في مرحلته الأولى، حيث تتركّز الجهود على رسم إطار التفاوض قبل الانتقال إلى أي اتفاق فعلي، فيما تبقى الملفات الأكثر حساسية، وفي مقدّمها تخصيب اليورانيوم ومصير المخزون، نقاط نزاع مفتوحة لم تُحسم بعد، ما يعكس مرحلة ضغط متواصل تتقاطع فيها الأدوات الاقتصادية مع المعادلات الميدانية والرسائل السياسية من دون أن يستقرّ المسار على صيغة نهائية حتى الآن.
وعليه، لا يمكن التعامل مع هذه المرحلة كاستقرار نهائي، بل كفترة مؤقتة قابلة للانفجار في أي لحظة، إذ لم تُحسم المسارات بعد ولا تزال احتمالات التصعيد قائمة، سواء عبر تعثّر المفاوضات أو عودة الضغوط إلى الميدان. في المحصلة، فإنّ هذا الهدوء قد يستمر لأسابيع، وقد يتراجع سريعاً إذا اصطدمت الشروط المطروحة بسقف الخلافات، ما يعني أنّ ما نشهده اليوم لا يرقى إلى تسوية، بل إلى هدنة هشّة يمكن أن تنكسر وتعيد الأمور إلى نقطة البداية.












0 تعليق