في الظاهر، قد يبدو هذا التطور كإنجاز سياسي للسلطة في لبنان، أو على الأقل كاستجابة لمطلب رسمي سعت إليه منذ أسابيع. إلا أن القراءة المتأنية للسياق السياسي والعسكري تشير إلى أن هذه الموافقة قد لا تكون مكسبًا كما تُصوَّر، بل قد تتحول إلى فخ سياسي محكم يضع السلطة اللبنانية أمام تحديات معقدة داخليًا وخارجيًا.
اللافت في هذا المشهد أن موافقة نتنياهو جاءت في توقيت حساس، تزامن مع إعلان السلطة اللبنانية رفضها أن تتولى إيران التفاوض نيابة عن لبنان أو أن تتحدث باسمه في أي مسار تفاوضي.
هذا الموقف اللبناني، الذي أراد تأكيد استقلالية القرار الوطني، وجد نفسه سريعًا أمام خطوة إسرائيلية مضادة تقوم على قبول التفاوض، ولكن بشروط ميدانية قاسية، أهمها استمرار العمليات العسكرية بالتوازي مع أي مسار سياسي. بهذا المعنى، فإن نتنياهو يحاول إحراج إيران سياسيًا، عبر نزع الذريعة التي تسمح لها بربط الجبهات أو تبرير تدخلها تحت عنوان الدفاع عن لبنان أو دعمه.
الأخطر في هذا المسار أن إسرائيل لا تبدو مستعدة لفصل التفاوض عن الضغط العسكري، بل على العكس، تسعى إلى فرض ما يمكن تسميته بـ"مفاوضات تحت النار". في مثل هذا النموذج، يتحول القصف والمجازر والعمليات العسكرية إلى أدوات ضغط مباشرة على المفاوض اللبناني، بحيث يتم رفع وتيرة التصعيد أو خفضها وفقًا لمسار التفاوض ومطالبه. الضربات العسكرية، في هذا الإطار، قد تتحول إلى رسائل سياسية هدفها انتزاع تنازلات محددة في ملفات حساسة، سواء على المستوى الأمني أو السياسي.
في المقابل، لا يبدو أن السلطة في لبنان تمتلك حتى الآن القدرة الكافية لفرض شروطها الأساسية، وعلى رأسها وقف العمليات العسكرية قبل بدء أي مفاوضات. هذا العجز النسبي لا يرتبط فقط بالقدرات الذاتية، بل أيضًا بطبيعة الموقف الدولي، حيث بدا واضحًا أن واشنطن استبقت الخطوات اللبنانية وحددت موعد المفاوضات مسبقًا، ما يعكس حجم التأثير الأميركي على مسار القرار السياسي.
حين تُفرض المواعيد من الخارج، يصبح هامش المناورة الداخلي أضيق، وتتحول المفاوضات إلى استحقاق إلزامي أكثر منها خيارًا سياديًا.
أمام هذا الواقع، يبدو لبنان مقبلًا على مرحلة شديدة الحساسية داخليًا. فالدخول في مفاوضات تحت النار، ومن دون توافق سياسي داخلي واسع، سيؤدي على الأرجح إلى اشتباك سياسي غير مسبوق بين القوى اللبنانية. بعض الأطراف قد ترى في التفاوض ضرورة لتخفيف الضغوط ووقف التدهور، فيما ستعتبر أطراف أخرى أن هذا المسار يمثل تنازلًا خطيرًا يُفرض تحت التهديد العسكري.
وبين هذين الموقفين، ستجد السلطة نفسها في موقع بالغ التعقيد، تحاول الموازنة بين الضغوط الخارجية والانقسامات الداخلية، في لحظة قد تحدد مسار المرحلة المقبلة في لبنان لسنوات طويلة.












0 تعليق