عندما تصبح السيادة خط الدفاع الأخير

الدستور 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

.

.


.
نقدم لكم عبر أقرأ 24 iqraa24.com،

فى لحظات التوتر الكبرى لا تقاس خطورة الأحداث بحجم الصواريخ التى تطلق، ولا بعدد البيانات التى تصدر، وإنما بما تتركه من آثار عميقة على توازنات الإقليم ومستقبل العلاقات بين الدول.

وما تشهده منطقتنا اليوم من تصعيد متسارع لا يمكن النظر إليه باعتباره أزمة عابرة أو مواجهة محدودة يمكن احتواؤها بسهولة، بل هو مؤشر جديد على حجم التحولات التى تضرب الشرق الأوسط، وتعيد رسم خرائط النفوذ وموازين القوة فى واحدة من أكثر مناطق العالم حساسية وتعقيدًا.

وسط هذه التطورات، برزت حقيقة لا تقبل الجدل، وهى أن أمن الدول العربية وسيادتها لم يعدا شأنًا محليًا يخص كل دولة على حدة، وإنما أصبحا جزءًا من معادلة أمن إقليمى مترابطة؛ فأى انتهاك لسيادة دولة عربية، وأى اعتداء على أراضيها أو مجالها الجوى، لا تتوقف تداعياته عند حدودها السياسية، بل تمتد لتؤثر فى مجمل الاستقرار الإقليمى.

لقد أثبتت التجارب أن الفوضى لا تعترف بالحدود، وأن الحرائق التى تبدأ فى بقعة من المنطقة سرعان ما تمتد آثارها إلى الجميع. ومن هنا تأتى أهمية التمسك الصارم بمبدأ احترام سيادة الدول باعتباره حجر الزاوية فى أى نظام إقليمى مستقر، والضمانة الحقيقية لحماية الشعوب من الانزلاق إلى دوائر الصراع المفتوح.

إن أخطر ما يمكن أن تواجهه المنطقة فى هذه المرحلة ليس فقط اتساع نطاق المواجهات، وإنما ترسيخ منطق تجاوز الحدود والقفز على قواعد القانون الدولى، لأن ذلك يعنى ببساطة الانتقال من مرحلة إدارة الخلافات إلى مرحلة كسر قواعد اللعبة ذاتها، وهى مرحلة لا يخرج منها أحد منتصرًا.

ولعل ما يميز الموقف المصرى فى هذه اللحظة الدقيقة أنه ظل متمسكًا بثوابت راسخة لم تتغير رغم تغير الظروف والأزمات؛ ثوابت تقوم على احترام سيادة الدول، ورفض التدخل فى شئونها، والسعى الدائم إلى الحلول السياسية والدبلوماسية باعتبارها الطريق الأقل كلفة والأكثر استدامة لتحقيق الأمن والاستقرار.

فمصر تدرك، بحكم التاريخ والجغرافيا والخبرة السياسية، أن استقرار المنطقة لا يتحقق بتوسيع دوائر الصراع، وإنما ببناء مساحات مشتركة للحوار، وأن الأمن الحقيقى لا يُفرض بالقوة وحدها، بل يُبنى على قواعد من التفاهم والاحترام المتبادل والمصالح المشتركة.

وفى تقديرى، فإن اللحظة الراهنة تفرض على الجميعــ دولًا وقوى إقليمية ودوليةــ مراجعة الحسابات بعين أكثر عقلانية، لأن كلفة التصعيد أصبحت أكبر من قدرة المنطقة على الاحتمال، ولأن شعوب الشرق الأوسط دفعت عبر عقود طويلة أثمانًا باهظة من التنمية والاستقرار والأمن نتيجة صراعات لم تجلب سوى المزيد من الأزمات.

إن التاريخ يعلمنا أن الدول القوية ليست تلك التى تخوض أكبر عدد من المعارك، وإنما تلك التى تنجح فى حماية مصالحها وصيانة أمنها وتجنب شعوبها ويلات الحروب. كما يعلمنا أن السلام العادل لا يولد من رحم الفوضى، وأن الاستقرار المستدام يبدأ من احترام السيادة الوطنية والالتزام بقواعد الشرعية الدولية.

وفى زمن تتشابك فيه الأزمات وتتداخل فيه المصالح، يبقى صوت العقل هو الخيار الأكثر مسئولية، وتبقى الحكمة السياسية هى السلاح الأهم لحماية الأوطان وصون مستقبل الأجيال القادمة.

فالأمن العربى ليس شعارًا سياسيًا يُرفع وقت الأزمات، بل مسئولية جماعية ومصير مشترك، وسيادة الدول ليست تفصيلًا قانونيًا يمكن تجاوزه، وإنما هى خط الدفاع الأخير عن استقرار المنطقة بأسرها.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق