.
.
.
نقدم لكم عبر أقرأ 24 iqraa24.com،
قال الدكتور يحيي النجار، أستاذ بيولوجيا النحل وبيئة الحشرات بقسم علم الحيوان بكلية العلوم جامعة طنطا، والحاصل على زمالة مؤسسة ألكسندر فون همبولت الألمانية، إن حصوله على جائزة «النحلة الذهبية 2026» من دولة سلوفينيا يمثل تتويجًا لمسار بحثي طويل امتد لسنوات من العمل المشترك بين مصر وألمانيا، في واحد من أهم الملفات العلمية المرتبطة بالأمن الغذائي العالمي وحماية الملقحات.
وأضاف فى حواره لـ «الدستور» أن الجائزة تعد من أرفع الجوائز الدولية المتخصصة في مجال النحل والملقحات، نظرًا لاعتمادها على تقييم علمي دقيق لا يقتصر على حجم الإنتاج البحثي، بل يمتد إلى مدى تأثير هذه الأبحاث على السياسات البيئية والزراعية، مشيرًا إلى أن الترشح لها جاء بعد مشروع بحثي متكامل امتد بين عامي 2019 و2023، تناول تأثير المبيدات الحشرية الحديثة والأمراض الفيروسية على صحة نحل العسل، وانعكاس ذلك على ظاهرة انهيار مستعمرات النحل عالميًا.
وأوضح أن نتائج الأبحاث كشفت عن أن بعض المبيدات لا تؤدي إلى نفوق مباشر للنحل فقط، وإنما تحدث اضطرابات عميقة في التوازن الحيوي داخل أمعائه، بما ينعكس على المناعة ويزيد من معدلات الإصابة بالأمراض، وهو ما يفسر بشكل أعمق أسباب التراجع الملحوظ في أعداد النحل حول العالم، مؤكدًا أن هذه النتائج تم نشرها في عدد من المجلات العلمية الدولية المرموقة وأسهمت في تعزيز النقاش العلمي حول معايير تقييم المبيدات وتأثيرها البيئي.
■ في البداية.. ما طبيعة الجائزة العالمية التي تم ترشيحك لها من دولة سلوفينيا؟
جائزة «النحلة الذهبية» من أهم الجوائز الدولية المتخصصة في مجال النحل والملقحات، وتمنحها دولة سلوفينيا سنويًا من خلال وزارة الزراعة، بالتزامن مع الاحتفال بـ اليوم العالمي للنحل في 20 مايو، وتتميز هذه الجائزة بأنها لا تقتصر على التكريم الرمزي فقط، بل تعتمد على تقييم علمي دقيق للإنجازات البحثية وتأثيرها الفعلي على حماية النحل، سواء من ناحية البحث العلمي أو التطبيق العملي أو المساهمة في السياسات البيئية والزراعية.
■ لماذا تعد هذه الجائزة من أرفع الجوائز العالمية في مجال تربية النحل والحفاظ عليه؟
تأتي أهمية هذه الجائزة من كونها مرتبطة بحدث عالمي معتمد من الأمم المتحدة وهو يوم النحل العالمي، بالإضافة إلى أن سلوفينيا من الدول الرائدة عالميًا في تربية النحل والحفاظ على الملقحات، كما أن التقييم يتم بواسطة لجان علمية دولية متخصصة، ويتم اختيار عدد محدود جدًا من المرشحين سنويًا بناءً على التأثير الحقيقي للأبحاث، وليس فقط عدد المنشورات، بل مدى انعكاسها على حماية النظم البيئية والأمن الغذائي.
■ كيف يتم التقديم للجائزة؟
التقديم للجائزة يتم من خلال ملف علمي متكامل يشمل السيرة البحثية، وأهم المشروعات العلمية، وعدد من الأبحاث المنشورة في مجلات دولية محكمة، بالإضافة إلى شرح واضح لتأثير هذه الأبحاث على أرض الواقع، كما يتضمن التقييم مدى ارتباط العمل البحثي بقضايا عالمية مثل الأمن الغذائي، والاستدامة البيئية، وحماية التنوع الحيوي، مع إبراز أي تأثيرات سياسية أو تنظيمية ناتجة عن هذه الأبحاث في مجال استخدام المبيدات أو حماية الملقحات.
■ متى بدأت العمل على المشروع البحثي المشترك؟
في عام 2019 واستمر حتى 2023، في إطار تعاون بحثي دولي بين مصر وألمانيا، بهدف دراسة تأثير بعض المبيدات الحشرية الحديثة، إلى جانب الأمراض الفيروسية، على صحة نحل العسل، وذلك ضمن رؤية بحثية تهدف لفهم العوامل المعقدة التي تؤدي إلى تراجع أعداد النحل عالميًا.
■ ما أبرز أهداف المشروع؟
الهدف الأساسي هو الانتقال من دراسة تأثير عامل واحد «مثل المبيدات فقط» إلى دراسة التأثيرات المركبة، لأن النحل في الطبيعة لا يتعرض لمسبب واحد، بل لمجموعة ضغوط في نفس الوقت، لذلك ركز المشروع على فهم كيف تتفاعل المبيدات مع الأمراض الفيروسية، وكيف ينعكس ذلك على المناعة، والسلوك، والتوازن الحيوي داخل جسم النحل، وخاصة داخل الجهاز الهضمي.
■ لماذا ركزت الدراسة على العلاقة بين المبيدات والأمراض الفيروسية؟
لأن معظم الدراسات التقليدية كانت تفصل بين المبيدات والأمراض، بينما الواقع البيئي مختلف تمامًا، النحل يتعرض في نفس الوقت لمبيدات حديثة، وضغوط مرضية، وتغيرات بيئية لذلك كان من الضروري فهم العلاقة التفاعلية بين هذه العوامل، وهل هناك تأثير تراكمي أو غير مباشر يزيد من هشاشة النحل ويجعله أكثر عرضة للانهيار.
■ ما أخطر النتائج التي توصلتم إليها؟
أحد أهم وأخطر النتائج أن بعض المبيدات الحديثة لا تسبب وفاة مباشرة للنحل، لكنها تحدث اضطرابًا في التوازن الحيوي داخل الجهاز الهضمي، وهو ما يُعرف بالميكروبيوم، هذا الاضطراب يؤدي إلى فقدان البكتيريا النافعة وظهور ميكروبات انتهازية ممرِضة، مما يضعف المناعة بشكل كبير ويؤدي في النهاية إلى زيادة معدلات النفوق وانهيار الطوائف، هذه النتيجة غيرت طريقة النظر إلى تقييم خطورة المبيدات، لأنها أثبتت أن التأثير غير المباشر قد يكون أخطر من السمية المباشرة.
■ هل تختلف أسباب انهيار مستعمرات النحل من دولة لأخرى؟
بالتأكيد، على حسب النظام البيئي والزراعي، لكن هناك عوامل مشتركة عالميًا، كالاستخدام المكثف للمبيدات، وانتشار الأمراض، وفقدان التنوع النباتي، والتغيرات المناخية، ومع ذلك، تختلف شدة كل عامل حسب كل دولة، ونوع الزراعة، ومستوى الوعي البيئي، وطبيعة إدارة المزارع.
■ ما حجم الخسائر التي قد يسببها تراجع أعداد النحل ؟
النحل مسؤول عن تلقيح نسبة كبيرة من المحاصيل الغذائية حول العالم، حيث يقدر أن أكثر من 80% من النباتات المزهرة تعتمد بدرجة أو بأخرى على الملقحات، وبالتالي فإن تراجع أعداد النحل لا يعني فقط انخفاض الإنتاج، بل يؤثر أيضًا على جودة المحاصيل وتنوعها، ما ينعكس بشكل مباشر على الأمن الغذائي وأسعار الغذاء عالميًا.
■ إلى أي مدى يمثل هذا الإنجاز إضافة للبحث العلمي المصري؟
هذا الإنجاز يعكس قدرة الباحث المصري على المساهمة في قضايا علمية عالمية معقدة، ويؤكد أن البحث العلمي في مصر قادر على المنافسة الدولية، كما أنه يعزز مكانة مصر في مجال أبحاث البيئة والاستدامة، ويظهر الدور المتزايد للعلم المصري في التأثير على السياسات البيئية والزراعية على المستوى الدولي.
■ ما أبرز التحديات التي واجهتك خلال تنفيذ المشروع؟
التحديات كانت متعددة، أبرزها طبيعة الدراسات طويلة المدى، وصعوبة محاكاة الظروف الطبيعية بدقة، بالإضافة إلى الحاجة لدمج بيانات معقدة تشمل الصحة، والمناعة، والميكروبيوم، والتأثيرات البيئية في وقت واحد. كذلك كان من التحديات الوصول إلى نتائج دقيقة يمكن الاعتماد عليها في التوصيات التطبيقية والسياسات.
■ كيف يمكن الاستفادة من نتائج هذه الدراسات في حماية النحل داخل مصر؟
من خلال تطوير سياسات الاستخدام الآمن للمبيدات، وتحديث برامج التوعية للمزارعين، وتشجيع الإدارة المتكاملة للآفات، بحيث يتم تقليل الاعتماد على المبيدات الكيميائية قدر الإمكان، خاصة في فترات التزهير، مع دعم البدائل الأكثر أمانًا للبيئة والملقحات.
■ هل هناك توصيات محددة للمزارعين بشأن استخدام المبيدات للحفاظ على النحل؟
أهم التوصيات تشمل تقليل استخدام المبيدات قدر الإمكان، والالتزام بالتوقيت المناسب للرش، خاصة تجنب فترات نشاط النحل والتزهير، واختيار المركبات الأقل سمية للملقحات، مع ضرورة اتباع الإرشادات الزراعية الدقيقة لضمان التوازن بين حماية المحصول وحماية البيئة.
■ هل هناك محاصيل استراتيجية في مصر قد تتضرر بشكل مباشر من انخفاض أعداد النحل؟
هناك العديد من المحاصيل الأساسية التي تعتمد على التلقيح كـ“التفاح، الموالح، وبعض الخضروات ومحاصيل البذور الزيتية، هذه المحاصيل تعتمد بشكل كبير على الملقحات، وبالتالي فإن أي انخفاض في أعداد النحل ينعكس مباشرة على الإنتاجية والجودة.
■ إلى أي مدى يمكن أن تؤثر ظاهرة انهيار مستعمرات النحل على إنتاج الفاكهة والخضروات في مصر؟
ينعكس مباشرة على إنتاج الغذاء، ليس فقط من حيث الكمية، ولكن أيضًا من حيث التنوع الغذائي، فغياب التلقيح يؤدي إلى انخفاض إنتاج العديد من المحاصيل الأساسية، وهو ما قد يؤثر على الأمن الغذائي العالمي على المدى الطويل.
■ كيف يمكن تحقيق التوازن بين مكافحة الآفات الزراعية وحماية النحل؟
يتم ذلك من خلال تطبيق الإدارة المتكاملة للآفات، والتي تعتمد على تقليل المبيدات الكيميائية قدر الإمكان، واستخدام وسائل بديلة، واختيار التوقيت المناسب للرش، بحيث يتم تقليل الأثر على الملقحات دون التأثير على الإنتاج الزراعي.
■ هل التغيرات المناخية في مصر تزيد من الضغوط الواقعة على النحل؟
نعم تؤثر بشكل كبير على النحل، من خلال اضطراب مواسم التزهير، وتغير مصادر الغذاء، وزيادة فترات الإجهاد الحراري، مما يجعل النحل أكثر عرضة للأمراض والمبيدات في نفس الوقت.
■ هل هناك أنواع محلية من النحل في مصر أصبحت مهددة؟
النحل المصري من السلالات المهمة والمتميزة بقدرتها العالية على التكيف مع الظروف البيئية المحلية ومقاومة بعض الأمراض، وهناك جهود كبيرة للحفاظ عليه وتنميته، لأنه يمثل جزءًا مهمًا من التنوع الحيوي الزراعي في مصر.
■ إلى أي مدى يمكن أن تستفيد مصر من التجارب الأوروبية في حماية الملقحات؟
في وضع تشريعات أكثر صرامة لتقييم المبيدات، وتطوير برامج حماية الملقحات، وتعزيز البحث العلمي التطبيقي، بما يحقق توازنًا بين الإنتاج الزراعي وحماية البيئة.
■ هل يمكن أن تتحول أبحاث النحل إلى أولوية قومية مرتبطة بالأمن الغذائي؟
بالتأكيد، لأن حماية الملقحات ترتبط مباشرة بالأمن الغذائي والاستدامة الزراعية، لذلك فإن دعم أبحاث النحل يجب أن ينظر إليه كأولوية استراتيجية وليس مجرد مجال بحثي، نظرًا لتأثيره المباشر على مستقبل الغذاء.














0 تعليق