أشاد عدد من المسرحيين بحملة «الدستور» لإنقاذ المسرح الجامعى من الإهمال وإعادة إحياء النشاط المسرحى داخل الجامعات، مؤكدين أن تقليص أو تعليق النشاط، تحت بند توفير النفقات، يعد أمرًا غير مقبول، فى ظل أهمية هذا النشاط لتشكيل وعى الطلاب وصقل موهبتهم، مشيرين إلى أن أزمات المسرح الجامعى مستمرة منذ فترة طويلة، خاصة أنه متروك فى كثير من الجامعات لقرارات الإدارة ورؤية وأهواء المسئولين.
وبدأت «الدستور»، فى هذه المساحة، الأسبوع الماضى، حملتها باستعراض أزمات المسرح فى عدد من جامعات الجمهورية. وطالب مسرحيون، خلال حديثهم لـ«الدستور»، بخارطة طريق واضحة للمسرح الجامعى، ورؤية متكاملة وموحدة وواضحة وشاملة، يجرى الاستماع فيها إلى آراء المختصين وأصحاب الخبرة، وتجمع بين آراء الجهات المعنية المختلفة، ويجرى اعتمادها من المجلس الأعلى للجامعات، مشددين على أن الآليات الواضحة تحمى المسرح الجامعى من التعطيل أو التقييد المفاجئ وتعيد له دوره، كأحد أهم روافد التكوين الثقافى والإنسانى داخل الجامعة.
المخرج معتز مدحت: ربط التعطيل بقرارات التقشف «غير مقبول».. وطلاب يتحملون نفقات الإنتاج
شدد المخرج معتز مدحت على أن المسرح الجامعى يمثل ركيزة أساسية فى بناء وعى الطلاب وتنمية قدراتهم الثقافية والفنية، مؤكدًا أن تقييد هذا النشاط أو تعطيله يؤثر على دور الجامعة فى احتضان المواهب الشابة.
وقال «مدحت»: «المسرح الجامعى ليس مجرد نشاط ترفيهى، بل مساحة حقيقية يشارك فيها مئات الطلاب فى مختلف عناصر العرض المسرحى، وتعطيل هذا النشاط ينعكس سلبًا على الحالة النفسية للطلاب، وما يحدث من تقييد أو تعطيل للأنشطة المسرحية فى بعض الجامعات يثير حالة من الجدل داخل الوسط الطلابى، خاصة بعد ربط تعطيل النشاط بقرارات التقشف أو ترشيد استهلاك الطاقة، وهى قرارات كانت محددة بفترة زمنية وتم إلغاؤها». واعتبر أن واقعة تأجيل مهرجان جامعة قناة السويس لأجل غير مسمى تمثل نموذجًا لحالة التضارب فى القرارات وما وصفه بـ«التخبط الإدارى»، موضحًا: «تم تحديد موعد للمهرجان فى ٦ مايو، ثم الإعلان عن تأجيله لما بعد ٣٠ يونيو، مع استمرار البروفات وتحمل الطلاب نفقات الإنتاج من جيوبهم، وهو ما أثار تساؤلات واسعة بين الطلاب حول أسباب التأجيل».
وأشار «مدحت» إلى أن بعض الجامعات واجهت صعوبات وتحديات مماثلة، لكنها تمكنت من استكمال أنشطتها، مثل جامعتى الزقازيق والإسكندرية، وهو ما يطرح تساؤلات حول أسباب استمرار التعطيل فى جامعات أخرى.
الشاعر سيد عبدالرازق: تفعيل الشراكات مع المؤسسات الثقافية ورجال الأعمال ينهى «حجة ضعف الموارد»
اعتبر الكاتب المسرحى والشاعر، سيد عبدالرازق، أن أزمة تقييد النشاط المسرحى فى بعض الجامعات ليست مجرد أزمة طارئة، بل نتيجة تراكمات تنظيمية وثقافية ومالية، مشيرًا إلى أن التعامل معها يجب أن يعتمد على رؤية عملية متعددة المستويات، تُعيد تعريف المسرح الجامعى كركيزة تربوية.
وقال «عبدالرازق»: «نحن بحاجة فى بعض الجامعات إلى إعادة إدماج المسرح ضمن المنظومة، بما يمنح النشاط شرعية مؤسسية تحميه من التهميش أو الإلغاء، فلا يجب أن يتوقف النشاط المسرحى وحيويته على تغيّر الإدارات وتبدل الأولويات». وأضاف: «الحل يتمثل فى إنشاء وحدات أو مراكز مسرحية دائمة داخل الجامعات، لها لوائح واضحة وميزانية سنوية مستقلة، بدلًا من أن يظل النشاط رهين اجتهادات فردية أو قرارات موسمية».
وذكر أن المسرح لا يحتاج إلى ميزانيات ضخمة بقدر ما يحتاج إلى إدارة ذكية للموارد، من خلال تفعيل الشراكات مع المؤسسات الثقافية، ورجال الأعمال، والهيئات الداعمة للفنون، إلى جانب إمكانية استثمار العروض المتميزة فى مهرجانات مدفوعة أو جولات خارجية تعزز الاستدامة المالية.
وأشار إلى أن أحد أبرز التحديات يتمثل فى ضعف التأهيل، الأمر الذى يستدعى بناء برامج تدريبية مستمرة للطلاب والمشرفين، بالتعاون مع محترفين، بحيث يتحول المسرح الجامعى إلى ورشة إنتاج حقيقية، مع ضمانة الحرية الفنية، مؤكدًا أن الخوف من الطرح الجرىء لا يثمر فى تطوير خطاب مسرحى ذكى قادر على التعبير العميق ضمن الأطر المتاحة، وذلك عبر ربط القضايا المسرحية باهتمامات الطلاب اليومية.
وتابع: «حماية المسرح الجامعى، سواء فى الجامعات التى تمتلك مقوماته وتحتاج إلى تطويرها أو تلك حديثة العهد بالمسرح، تأتى من خلال حوكمة واضحة المعالم، عبر لوائح وهياكل وإجراءات وتوثيق».
وشدد على أهمية تطوير لائحة مسرح جامعى معتمدة من مجلس الجامعة، تجعل أى قرار تعطيل أو تقييد خاضعًا لمبررات قانونية واضحة، لا لاجتهادات إدارية عابرة، كما شدد على ضرورة إنشاء وحدة أو مركز للمسرح الجامعى بقرار رسمى، مع توصيف وظيفى محدد، يضمن استمرارية العمل بغض النظر عن تغيّر القيادات.
ولفت إلى أنه من الضرورى اعتماد خطة سنوية مُلزمة، بحيث يتم- بدلًا من المنع أو الإيقاف المفاجئ- تشكيل لجنة مختصة أكاديمية وفنية لمراجعة النصوص والعروض وفق معايير معلنة، بما يقلل من المنع المبهم ويحوّل العملية إلى «تقييم مهنى»، يمكن التنبؤ به.
واختتم «عبدالرازق» حديثه بالتأكيد على أهمية تنويع مصادر التمويل، وتوثيق العروض والأنشطة وإصدار تقارير سنوية تُثبت أثر المسرح ثقافيًا وتربويًا، مشيرًا إلى أن هذا الأرشيف يصبح أداة دفاع قوية أمام أى محاولة لتقليص النشاط، لأنه يحوّله إلى إنجاز قابل للقياس، مع إتاحة آلية رسمية للاعتراض فى حال إيقاف عرض أو نشاط، بحيث يمكن للفرق المسرحية التقدم بطلب مراجعة القرار، ضمانًا للعدالة الإجرائية.
الكاتب وليد يوسف: نحتاج إلى قواعد لإلزام رؤساء الجامعات بالحفاظ على النشاط
رأى الكاتب المسرحى والسيناريست، وليد يوسف، أن واقع النشاط المسرحى داخل الجامعات يكشف عن غياب آليات واضحة تُلزم الإدارات بالحفاظ على هذا النشاط واستمراريته، مشيرًا إلى أن الأمر فى كثير من الأحيان يظل مرتبطًا برؤية المسئول أو توجهه الإدارى.
وقال «يوسف» إن الجامعة تشبه المدرسة فى هذا السياق؛ فهناك مؤسسات تعليمية تهتم بوجود مسرح وموسيقى ونشاط رياضى وتدبير منزلى، وتعتبر هذه الأنشطة جزءًا من بناء شخصية الطالب، بينما ترى إدارات أخرى أن هذه الأنشطة تمثل إهدارًا للوقت، فتتحول حصصها إلى حصص إضافية للمواد الدراسية الأساسية، وهو ما يؤدى إلى الدخول فى حلقة مفرغة تُضعف الحياة الثقافية داخل المؤسسات التعليمية.
وأضاف: «المشكلة الحقيقية تكمن فى غياب قواعد مُلزمة من الدولة تُلزم رؤساء الجامعات بالحفاظ على النشاط المسرحى وتفعيله، رغم أنه، وخلال فترة التسعينيات من القرن الماضى، كان النشاط المسرحى الجامعى يمثل حائط الصد الأول ضد الأفكار المتطرفة، لما له من دور فى تشكيل الوعى وتنمية الحس النقدى لدى الشباب».
وأشار إلى أنه لا يرى بديلًا لمعالجة هذه الأزمة سوى تدخل الدولة، عبر وضع آليات واضحة للإلزام والرقابة، وإدراج عدد الأنشطة الفنية والرياضية ضمن معايير تقييم الجامعات، مؤكدًا أن ذلك من شأنه دعم جودة الحياة الجامعية وتعزيز دورها الثقافى والتربوى.
رئيس جامعة كفرالشيخ: لا نمنع الفعاليات بل نضع قواعد منظمة تضمن تحقيق الأهدافه
ردًا على ما أثير خلال الفترة الأخيرة بشأن منع النشاط المسرحى والمهرجان المسرحى بجامعة كفرالشيخ، أكد الدكتور يحيى عيد، رئيس جامعة كفرالشيخ، أنه لم يتم منع أى نشاط مسرحى داخل الجامعة، موضحًا أن ما يجرى هو وضع أطر وقواعد منظمة للنشاط المسرحى، بما يضمن حسن إدارته وتحقيق أهدافه الفنية والتربوية.
وأوضح «عيد» أن جامعة كفرالشيخ تختلف فى طبيعتها وظروفها عن الجامعات الكبيرة التى تمتلك تاريخًا طويلًا وخبرة ممتدة فى العمل المسرحى، مثل جامعتى القاهرة والإسكندرية، خاصة أنها لا تزال فى طور النضج والتطوير، الأمر الذى يستدعى تنظيم العمل وفق ضوابط واضحة، تساعد على بناء تجربة مسرحية قوية ومستدامة.
وأشار إلى أنه تم عقد اجتماع مع الطلاب، بحضور الدكتور رشاد العدوى، عميد كلية الزراعة ومنسق الأنشطة الطلابية، للاتفاق على آلية تنظيمية لإقامة المهرجان المسرحى داخل الجامعة، بما يضمن جودة العروض وخروج المهرجان فى أفضل صورة ممكنة.
ولفت إلى أنه لم يتم حتى الآن تحديد موعد إقامة المهرجان، إذ يتم التركيز فى المرحلة الحالية على وضع قواعد واضحة لعمليات البروفات والتدريبات، مؤكدًا حرص إدارة الجامعة على أن يكون المهرجان تجربة حقيقية للطلاب، ليكون من «الطلبة وإلى الطلبة».
المخرج عمرو قابيل: الأولوية لوضع خارطة طريق شاملة و«توافقية» تضمن استمرار الأنشطة بشكل دائم
أكد المخرج عمرو قابيل، رئيس ملتقى القاهرة الدولى للمسرح الجامعى، أن توقف أو تقليص النشاط المسرحى فى بعض الجامعات مؤخرًا أثّر تأثيرًا سلبيًا كبيرًا على الطلاب ورواد العمل المسرحى، خاصة مع وجود حالة احتقان وإحباط لدى شريحة كبيرة من طلبة الجامعات، الذين يمثل لهم المسرح قيمة كبيرة وشكلًا من أشكال التعبير عن الذات وتكوين الشخصية والهوية الثقافية.
وأوضح «قابيل» أن أسباب تعليق النشاط المسرحى فى بعض الجامعات هى أسباب غير معلنة بشكل رسمى أو واضح، مؤكدًا الحاجة إلى خارطة طريق حقيقية، تعتمد على تكامل وجهات النظر بين كل الأطراف المعنية، وأولها المجلس الأعلى للجامعات.
وقال: «ما أُثير مؤخرًا على مواقع التواصل الاجتماعى هو نداءات وأصوات احتجاجية من بعض الطلبة بسبب إلغاء أو تقليص النشاط المسرحى بجامعاتهم، وأشار بعضهم إلى أن سياسة الترشيد وتوفير النفقات، التى طبقتها الحكومة على معظم المؤسسات، هى السبب المباشر، وفق ما أخطرهم به بعض المسئولين فى الجامعات». وأضاف: «هذا الحديث جاء على لسان أعضاء فرق المسرح الجامعى فى بعض الجامعات التى قررت بالفعل إلغاء النشاط المسرحى، لكن لا يمكن لأحد أن يتكهن بالسبب الحقيقى لإلغاء النشاط، نظرًا لعدم وجود تصريحات أو بيانات رسمية توضح الأسباب».
وتابع: «تعليق النشاط على هذا النحو من المؤكد أنه قرار غير سليم، ويستوجب منّا جميعًا التوقف عنده ومعرفة أسبابه الحقيقية، واتخاذ ما يلزم من إجراءات وطرح مقترحات لضمان عدم حدوثه مرة أخرى، نظرًا لما يمثله المسرح الجامعى من أهمية كبيرة على كل المستويات».
واختتم «قابيل» حديثه بالتأكيد على أن ما يحدث فى بعض الجامعات يُعد، من وجهة نظره الشخصية، «حالة عابرة»، وإن كان ضد أن يكون النشاط المسرحى رهنًا لأى ظروف تجعل من السهل عرقلته أو إيقافه أو تعليقه.

















0 تعليق