ارتفع معدل التضخم في الولايات المتحدة الأمريكية إلى أعلى مستوى له في عامين خلال شهر مارس الماضي، في وقت هبطت فيه ثقة المستهلكين إلى أدنى مستوى مسجل.
ارتفاع الأسعار
ومع امتداد آثار الحرب التي يخوضها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مع إيران إلى مختلف قطاعات الاقتصاد، يشكّل تزامن ارتفاع الأسعار وتدهور المعنويات مؤشرًا مقلقًا للجمهوريين الساعين للحفاظ على سيطرتهم على الكونجرس في انتخابات التجديد النصفي، وذلك وفق تقرير لمجلة "بولتيكو" الأمريكية.
وشهدت أسعار النفط والغاز قفزة حادة في مارس، بعدما استوعبت أسواق الطاقة العالمية صدمة إمدادات غير مسبوقة ناجمة عن الحرب مع إيران، فقد أدى توقف حركة ناقلات النفط عبر مضيق هرمز إلى نقص عالمي في النفط الخام والغاز الطبيعي المسال، ما تسبب في ارتفاع أسعار البنزين والديزل ومشتقات نفطية أخرى.
ووفقًا لوزارة العمل الأمريكية، ارتفع التضخم بمعدل سنوي بلغ 3.3% في مارس، مع قفزة في أسعار البنزين بنسبة 21.2%، حيث شكّلت تكاليف الطاقة نحو ثلاثة أرباع الزيادة الشهرية في مؤشر أسعار المستهلك، وفي الوقت ذاته، ألقى المستهلكون، بحسب استطلاع لجامعة ميشيجان، باللوم على الحرب في تدهور الأوضاع الاقتصادية، ليتراجع مؤشر الثقة إلى ما دون أدنى مستوياته خلال ذروة التضخم بعد الجائحة.
وقال مايك ريد، رئيس قسم الاقتصاد الأمريكي في بنك RBC: "بالنسبة للمستهلكين، هذا الأمر ملموس للغاية". وأضاف أن موجة التضخم تعود بدرجة كبيرة إلى أسعار الطاقة المتقلبة، إلا أن التوقعات المستقبلية تعتمد على مدة استمرار "الصراع في الشرق الأوسط، ومدى احتمال انتقال ارتفاع أسعار الطاقة إلى بقية قطاعات الاقتصاد".
وكان التضخم المرتفع قد أثقل كاهل فترة رئاسة جو بايدن، فيما انتُخب ترامب لولاية ثانية على وعد بكبح ارتفاع الأسعار وإطلاق "عصر ذهبي" اقتصادي يفيد الطبقة العاملة، وقد دأب ترامب على الإشارة إلى تراجع أسعار الطاقة في إطار الترويج لسياسات إدارته، إلا أن هذا الخطاب تراجع تأثيره مع تجاوز سعر البنزين 4 دولارات للجالون.
واستغل الديمقراطيون تأثير الحرب على الأسعار في انتقاداتهم، إذ قال رئيس اللجنة الوطنية الديمقراطية كين مارتن إن سياسات ترامب التجارية "المتهورة" و"حربه غير الشعبية مع إيران" لم تجلب للأمريكيين سوى مزيد من الغلاء.
ومن جانبها، أكدت السيناتور إليزابيث وارن أن "كل أسرة تكافح لملء خزان الوقود أو شراء الغذاء، تعرف تمامًا من المسئول".
وفي المقابل، يرى مسئولون في البيت الأبيض أن الارتفاعات السعرية والاضطرابات في الأسواق المرتبطة بالحرب ستكون مؤقتة، غير أن استمرار إغلاق مضيق هرمز أمام معظم حركة الناقلات يزيد من احتمالات تفاقم الأضرار الاقتصادية، ورغم إعلان هدنة لمدة أسبوعين في وقت سابق من هذا الأسبوع، قال ترامب إن إيران "لا تقوم بعمل جيد" في السماح بمرور النفط عبر المضيق.
وأوضح المتحدث باسم البيت الأبيض، كوش ديساي، أن ترامب كان واضحًا بشأن "الاضطرابات قصيرة الأجل" الناتجة عن العملية العسكرية، مشيرًا إلى أن الإدارة تعمل على الحد من آثارها.
وأضاف أن أسعار بعض السلع الأساسية مثل البيض واللحوم والأدوية ومنتجات الألبان تشهد انخفاضًا أو استقرارًا بفضل سياسات الإدارة، رغم تقلب أسعار الطاقة.
أما معدل التضخم الأساسي، الذي يستثني أسعار الغذاء والطاقة الأكثر تقلبًا، فقد سجل 2.6% سنويًا في مارس، وهو أقل من توقعات معظم الاقتصاديين، لكنه أعلى من نسبة 2.5% المسجلة في فبراير. ويُعد ذلك مؤشرًا على أن تأثيرات ارتفاع الأسعار المرتبطة بإيران لا تزال محصورة إلى حد كبير في قطاع الطاقة، وهو ما يمنح بعض الارتياح لصناع السياسة النقدية في الاحتياطي الفيدرالي.
وقال مايكل ميتكالف، رئيس استراتيجية الاقتصاد الكلي في "ستيت ستريت ماركتس": "هذه قفزة كبيرة في التضخم العام وستؤثر فورًا على الدخل الحقيقي، لكن من منظور السياسات قد يكون هناك ارتياح لكون التضخم الأساسي لا يزال تحت السيطرة.. هذا لا يشبه ما حدث في 2022".
ومع ذلك، تُظهر مؤشرات أخرى مفضلة لدى الاحتياطي الفيدرالي، مثل مؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي الصادر عن وزارة التجارة، أن الضغوط التضخمية في القطاعات الأساسية لا تزال أعلى مما يرغب فيه صناع القرار، فقد ارتفع هذا المؤشر بنسبة سنوية بلغت 3% في فبراير، ما قد يحد من هامش المناورة أمام البنك المركزي إذا امتدت صدمة النفط إلى قطاعات أخرى.
وقال جو تريسي، المستشار السابق في بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك ودالاس: "على صناع السياسات أن يشعروا بقلق حقيقي، فمع انتقال هذه الصدمات عبر الاقتصاد وارتفاع التضخم بشكل ملحوظ، قد تنفلت توقعات التضخم من السيطرة".















0 تعليق