في زمنٍ تتزاحم فيه البلاغات، وتختلط فيه الحقيقة بالعبث، تظل هناك قصص تُثبت أن الإنسانية لا تعرف اليأس، وأن خلف كل صفارة إسعاف قلوبًا لا تعرف الاستسلام.
بدأت القصة ببلاغ غامض تلقته غرفة القيادة والتحكم بهيئة الإسعاف المصرية عبر الخط الساخن 123، من سيدة مسنّة تبلغ من العمر 85 عامًا بمحافظة الفيوم، كانت تعاني من ضيق شديد في التنفس، وبأنفاس متقطعة وكلمات غير واضحة، حاولت الاستغاثة قبل أن ينقطع التواصل معها، تاركة خلفها عنوانًا مبهمًا لا يتجاوز اسم منطقة وإشارة إلى سوبر ماركت شهير.
ورغم أن الواقع يشير إلى أن أكثر من 100 ألف مكالمة ترد يوميًا للإسعاف، لا يتجاوز الصحيح منها 6 آلاف فقط، كان من السهل أن يُصنّف هذا البلاغ ضمن البلاغات غير المكتملة أو الكاذبة، لكن رجال الإسعاف كان لهم رأي آخر.. الإصرار على الأمل حتى لو كان بنسبة 1%.
تمشيط ميداني.. وإصرار لا يعرف التراجع
على الفور، تم الدفع بسيارتي إسعاف إلى المنطقة المذكورة، وبدأت الفرق في تمشيط المكان، والسؤال عن سيدة مسنّة تعيش بمفردها، طرقوا الأبواب، وتحدثوا مع الأهالي، لكن دون جدوى. لحظات كادت أن يتسلل فيها اليأس، لكن عزيمة رجال الإسعاف كانت أقوى من أي تراجع.
خيط الأمل.. من سنترال الفيوم
وفي محاولة أخيرة، تواصلت غرفة العمليات مع مسؤولي سنترال الفيوم، في خطوة حاسمة لتتبع رقم الهاتف الأرضي الذي خرج منه البلاغ. وبالفعل، تم تحديد موقع الاتصال بدقة، ليتحرك فريق إسعاف ثالث نحو العنوان الجديد.
هناك، بدأت ملامح الحقيقة تتكشف، حتى نجح أحد حراس العقارات في التعرف على مواصفات السيدة، مؤكدًا أنها تقيم بمفردها داخل أحد الأبراج السكنية.
سباق مع الزمن خلف باب مغلق
وصلت الفرق إلى الشقة، وبدأت محاولات طرق الباب دون استجابة. ومع تزايد القلق، أصر رجال الإسعاف على البقاء وعدم المغادرة قبل الاطمئنان. تم استدعاء النجدة، وفي نفس الوقت تم إحضار أحد أقارب السيدة، الذي حضر سريعًا وبحوزته مفتاح الشقة.
النهاية السعيدة.. انتصار للحياة
بمجرد فتح الباب، دخلت الفرق الطبية لتجد السيدة في حالة إعياء شديدة، وعلى الفور تم التعامل معها طبيًا، وتقديم الإسعافات اللازمة، ومتابعة حالتها الحيوية، حتى استقرت حالتها تمامًا.
لحظات انتهت بابتسامة نجاة، وانتصار جديد يُضاف لسجل رجال لا يعرفون طريقًا سوى إنقاذ الأرواح.
رسالة إنسانية
هذه الواقعة لم تكن مجرد بلاغ، بل كانت اختبارًا حقيقيًا لمعنى المسؤولية، ورسالة تؤكد أن رجال الإسعاف لا يؤمنون بعبارة "أنا عملت اللي عليا"، بل يسيرون دائمًا خلف الأمل… حتى آخر نفس.
أبطال الواقعة
قاد هذه الملحمة الإنسانية فريق غرفة القيادة والتحكم، إلى جانب الأطقم الإسعافية الذين ضربوا أروع مثال في الإخلاص والتفاني، كما كان للتعاون السريع من مسؤولي سنترال الفيوم دور حاسم في إنقاذ حياة السيدة.
تحية تقدير
تحية واجبة لرجال الإسعاف المصري، الذين يثبتون كل يوم أن الإنسانية ما زالت بخير، وأن خلف كل استجابة… قصة حياة جديدة تُكتب.


















0 تعليق