.
.
.
نقدم لكم عبر أقرأ 24 iqraa24.com،
حين نتأمل رحلة أحمد عبد المعطي حجازي، نجد أمامنا سيرة شاعر خرج من تلا في المنوفية إلى القاهرة، ثم إلى دمشق، ثم إلى باريس، ثم عاد إلى مصر، وقد تحولت تجربته إلى سجل واسع لتحولات الشعر العربي الحديث، وصراعات الثقافة المصرية، وأسئلة المدينة والحرية والهوية.
رحلة حجازي سيرة شاعر كبير من جيل التجديد، تبدأ من قرية ريفية في ثلاثينيات القرن العشرين، وتمر بصعود الصحافة الثقافية في الخمسينيات والستينيات، وتصل إلى معارك الشعر الحر، والسفر إلى فرنسا، ثم العودة إلى القاهرة في زمن جديد كانت الثقافة المصرية تعيد ترتيب علاقتها بالشعر والمؤسسة والجمهور.
ولد أحمد عبد المعطي حجازي في يونيو عام 1935 بمدينة تلا في محافظة المنوفية، داخل بيئة ريفية صنعت أولى طبقاته الوجدانية. حفظ القرآن الكريم في طفولته، وتلقى تعليمه الأول في مسقط رأسه، ثم التحق بمدرسة المعلمين في شبين الكوم عام 1948، وتخرج فيها عام 1955، ومن هذه البداية خرج شاعر حمل معه طوال العمر أثر القرية، بوصفها ذاكرة أولى، ومخزونًا لغويًا وروحيًا، يقف في مواجهة المدينة الصاخبة التي سيكتب عنها لاحقًا واحدًا من أشهر دواوينه "مدينة بلا قلب".
من القرية إلى القاهرة
جاء حجازي إلى الشعر في لحظة كانت القصيدة العربية تشهد تحولات عميقة، كانت قصيدة التفعيلة تفتح أبوابًا جديدة أمام التعبير، وكان جيل كامل يبحث عن لغة تليق بالأحلام القومية والأسئلة الاجتماعية التي صنعتها مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، في هذه اللحظة ظهر حجازي شابًا يحمل حساسية ريفية حادة، ووعيًا مبكرًا بالمدينة، وقدرة على تحويل التجربة اليومية إلى سؤال شعري.
بدأ عمله في الصحافة عام 1956 محررًا في مجلة "صباح الخير"، وهي تجربة مهمة في تكوينه، فالمجلة في ذلك الوقت كانت جزءًا من عالم صحفي جديد يقرّب الثقافة من الشارع، ويمنح الكتابة إيقاعًا يوميًا، ومن الصحافة تعلم حجازي اتصال الشعر بالحياة العامة.
ثم جاءت تجربة دمشق عام 1959 بعد إعلان الوحدة بين مصر وسوريا، حيث عمل في الصحافة هناك لمدة ستة أشهر، كانت دمشق بالنسبة إلى شاعر مصري شاب فضاءً عربيًا مفتوحًا، وتجربة مباشرة مع فكرة العروبة وهي تتحول من شعار سياسي إلى حياة يومية ومؤسسات وصحافة ومشاعر عامة، وقد ظل البعد العربي حاضرًا في كتاباته ومواقفه، كما ظهر في عناوينه ومقالاته وكتبه، ومنها كتابه "عروبة مصر".
مدينة بلا قلب
عام 1959 أصدر حجازي ديوانه الأشهر "مدينة بلا قلب"، وهو الديوان الذي وضع اسمه في قلب تجربة الشعر العربي الحديث، بدت المدينة عنده فضاءً قاسيًا يختبر الإنسان، تظهر القاهرة في هذا الديوان بوصفها تجربة وجودية كاملة ومكانًا يصنع الوعي والاغتراب والخوف والدهشة.
وفي العام نفسه صدر ديوانه "أوراس"، بما يحمله العنوان من اتصال بالثورة الجزائرية وجغرافيا المقاومة. ثم توالت دواوينه: "لم يبق إلا الاعتراف" عام 1965، و"مرثية للعمر الجميل" عام 1972، و"كائنات مملكة الليل" عام 1978، و"أشجار الأسمنت" عام 1989، ثم "طلل الوقت" عام 2011.
معركة التجديد
ارتبط اسم أحمد عبد المعطي حجازي بمعركة التجديد في الشعر العربي، فقد جاء ضمن جيل دفع قصيدة التفعيلة إلى قلب الذائقة الحديثة، وخاض سجالات واسعة مع المحافظين على عمود الشعر القديم، وتذكر سيرته الأدبية المعركة الشهيرة مع عباس محمود العقاد، الذي كان ينظر بعين قاسية إلى تجارب الشعر الجديد، بينما رأى حجازي وجيله أن الشعر العربي يحتاج إلى لغة وإيقاع وصورة تستجيب لزمن جديد.
الصحافة الثقافية
عمل أحمد عبد المعطي حجازي في "روز اليوسف" محررًا، ثم رئيسًا للقسم الثقافي، ثم مديرًا للتحرير عام 1969، وهذه المحطة مهمة في فهم شخصيته، لأنه عاش الشعر داخل المؤسسة الصحفية، وبين المقال والافتتاحية والملف الثقافي والسجال العام.
كانت الصحافة بالنسبة إليه امتدادًا للقصيدة، ومجالًا لصناعة رأي ثقافي، ومن هنا تشكلت صورته كشاعر وناقد وكاتب مقالة ومثقف عام، وقد منحته الصحافة قدرة على الاشتباك المباشر مع القضايا الفكرية، كما جعلته حاضرًا في معارك المجتمع والثقافة، إلى جانب حضوره في دواوين الشعر.
السفر لفرنسا
سافر إلى فرنسا عام 1974، وهناك اشتغل مدرسًا للشعر العربي في جامعتي باريس والسوربون، والتحق بمدرسة الدراسات العليا، وحصل على دبلومها عام 1979، ثم حصل عام 1980 على دبلوم الدراسات المعمقة في الأدب العربي. وفي فرنسا اتسعت تجربته بين الشعر العربي والدرس الغربي.
العودة إلى مصر
عاد أحمد عبد المعطي حجازي إلى مصر عام 1990، وعُين كاتبًا في جريدة "الأهرام"، ثم تولى رئاسة تحرير مجلة "إبداع" في مطلع التسعينيات.
وتولى كذلك مواقع ثقافية متعددة، منها عضوية المجلس الأعلى للثقافة ورئاسة لجنة الشعر ورئاسة مجلس أمناء بيت الشعر.
الجوائز
حصل أحمد عبد المعطي حجازي على عدد من الجوائز التي تلخص مكانته في الشعر العربي، منها جائزة كفافيس اليونانية المصرية عام 1989، وجائزة الشعر الأفريقي عام 1996، وجائزة الدولة التقديرية في الآداب عام 1997، ثم جائزة النيل في الآداب عام 2013.
الناقد والمفكر
امتدت تجربة أحمد عبد المعطي حجازي إلى النقد والفكر والسيرة الأدبية، ومن كتبه: «محمد وهؤلاء»، و«مختارات من شعر إبراهيم ناجي وخليل مطران»، و«عروبة مصر»، و«حديث الثلاثاء»، و«الشعر رفيقي»، و«أسئلة الشعر»، و«أحفاد شوقي»، و«قال الراوي»، و«قصيدة النثر أو القصيدة الخرساء».
ويبدو عنوان "الشعر رفيقي" مفتاحًا جميلًا لفهم حجازي، فالشعر في حياته رفقة طويلة، وصداقة قاسية، ومرآة لتقلبات العمر، وقد كان شاعرًا يكتب القصيدة، ثم يعود ليفكر في شروطها، ويتأمل موقعها في الثقافة العربية.
















0 تعليق