.
.
.
نقدم لكم عبر أقرأ 24 iqraa24.com،
كشف علم جينوم السكان عن تاريخ أكثر تعقيدًا وديناميكية وتشابكًا مما قد نتخيل حتى في بلد مثل بريطانيا، التي طالما تخيلناها جزيرة ذات تراث عميق ومتصل، تشير البيانات الجينية إلى تاريخ تميز بالهجرة المكثفة والاختلاط وإعادة ابتكار الثقافة.
وأكدت دراستان جديدتان هذه الصورة، من خلال تحليل الحمض النووي من بقايا هياكل عظمية لأفراد بريطانيين عاشوا خلال العصر الروماني والعصور الوسطى.
وقد شهدت بريطانيا في عصور ما قبل التاريخ هجرات رئيسية دورية، تخللتها تحركات أصغر وأكثر انتظامًا للشعوب عبر ما كان آنذاك أرضًا متصلة.
بعد حوالي 6100 قبل الميلاد، أدى ارتفاع منسوب مياه البحر إلى عزل بريطانيا عن أوروبا القارية، مما ساهم في ترسيخ روايات تاريخية لاحقة عن سكان معزولين نسبيًا.
نظريات المؤرخين
مع ذلك، حتى المراقبون الأوائل أدركوا خلاف ذلك ففي القرن الأول الميلادي، لاحظ المؤرخ الروماني تاسيتوس تنوع قبائل بريطانيا، مشيرًا إلى أن أصولها تعود إلى ألمانيا وبلاد الغال وشبه الجزيرة الأيبيرية.
استُخلصت هذه الاستنتاجات من ملاحظات فيزيائية وثقافية ولغوية وأصبح هذا الأمر قابلاً للاختبار الآن، بفضل التطورات السريعة في علم جينوم السكان وتسلسل الحمض النووي القديم، مما يسمح بإعادة بناء الأنساب مباشرةً عبر التغيرات الديموغرافية والسياسية حيث حللت دراسة حديثة هامة أجرتها مارينا سيلفا، من معهد فرانسيس كريك في لندن، وزملاؤها، أكثر من ألف جينوم قديم من مختلف أنحاء بريطانيا خلال الألفية الأولى الميلادية.
تطرح الدراسة، التي أوردها موقع conversation سؤالاً بسيطاً وهو هل يمكن رصد الأحداث التاريخية الرئيسية في بريطانيا - الاحتلال الروماني، والهجرة الأنجلوسكسونية، وعصر الفايكنج، والغزو النورماندي - في البيانات الجينية للسكان الذين عاشوا خلال هذه الحقب؟
كانت الإجابة معقدة فالعصر الروماني، على الرغم من كل ما شهده من اضطرابات سياسية وثقافية، لم يترك أثراً يُذكر على التركيب الجيني للسكان عموماً إذ يتطابق حوالي 80% من الأفراد الذين عاشوا في بريطانيا خلال العصر الروماني تقريباً مع أولئك الذين عاشوا في العصر الحديدي الذي سبقه مباشرة، مما يدعم استمرارية التركيب الجيني وعدم وجود استبدال حتى في المراكز الحضرية حيث كانت النخب الرومانية المحتلة هي الأكثر انتشاراً، احتفظ السكان الأوسع بأصول محلية في الغالب.
العصور الوسطى المبكرة
في المقابل، شهدت فترة العصور الوسطى المبكرة، من حوالي عام 410 ميلادية (عندما انهار الحكم الروماني) إلى عام 1066 ميلادي، تدفقًا كبيرًا لأصول جديدة من عبر بحر الشمال. وقد تمكن الباحثون من رصد هذا التدفق من خلال مقارنة العينات البريطانية بالبيانات الجينية لسكان مناطق أخرى في شمال غرب أوروبا وتظهر الأصول القارية المرتبطة بالهجرة الأنجلوسكسونية في أكثر من 70% من المدافن في جنوب بريطانيا "الأنجلوسكسونية".
تؤكد البيانات الجينية الحديثة أن السكان المعاصرين في الجزر البريطانية لا يشكلون مجموعة واحدة متجانسة، بل يتجمعون في سلالات متداخلة ولكنها متميزة، تعكس تاريخًا إقليميًا مختلفًا ودرجات متفاوتة من الهجرة السابقة.
تعكس هذه الأنماط السجل القديم، لكنها لم تؤثر على جميع المناطق بالتساوي حيث تحتفظ ويلز وأيرلندا باستمرارية أقوى مع السكان الأقدم، بينما تُظهر إنجلترا أدلة أوضح على أصول مرتبطة بهجرة أوائل العصور الوسطى من شمال أوروبا. وتحتل اسكتلندا موقعًا وسيطًا، يعكس كلاً من الاستمرارية طويلة الأمد والتأثير الإسكندنافي اللاحق.
ومن المهم الإشارة إلى أن هذه الاختلافات هي اختلافات في الدرجة، وليست في النوع. فجميع سكان الجزر البريطانية يشتركون في أصول مشتركة عميقة، تداخلت معها طبقات من الهجرة التي تختلف آثارها إقليميًا. إن البنية التي نراها اليوم هي نتاج هذه الطبقات التاريخية، وليست نتاج بقاء مجموعات سكانية معزولة أو "نقية".

















0 تعليق