.
.
.
نقدم لكم عبر أقرأ 24 iqraa24.com،
قال عالم الآثار الدكتور حسين عبد البصير، مدير متحف الآثار بمكتبة الإسكندرية، إن دراسة الأعياد في مصر القديمة لا تعني التعامل مع مظاهر احتفالية بسيطة أو مناسبات اجتماعية عابرة، بل مع منظومة دينية متكاملة ارتبطت ارتباطًا وثيقا بفهم المصري القديم للكون والحياة والنظام الكوني.
وأكد حسين عبد البصير، في تصريحات خاصة لـ"اليوم السابع"، أن العيد كان مناسبة دينية كبرى تتجدد فيها العلاقة بين الإنسان والمعابيد، واستعاد فيها لحظة الخلق الأولى، بما تحمله من معاني النظام والاستقرار والانتصار على الفوضى.
مكانة محورية للقرابين
وأوضح عبد البصير أن الذبائح والقرابين احتلت مكانة محورية داخل الطقس الديني، إذ لم تكن مجرد أفعال تقديم طعام أو إظهار للولاء الديني، بل كانت جزءا أساسيا من بناء الفعل الطقسي نفسه، وبيّن أن القرابين في مصر القديمة كانت تقدم ضمن نظام دقيق يحدد نوعها، وطريقة تقديمها، وتوقيتها، والجهة المستفيدة منها، سواء كانت الآلهة أو المعبد أو الكهنة أو المجتمع.
وأضاف أن الطقوس الدينية، وفي مقدمتها تقديم القرابين، كانت هي الوسيلة الأساسية للمحافظة على هذا النظام وإعادة إنتاجه بصورة مستمرة، لافتاً إلى أن النصوص والمناظر الأثرية تكشف أن تقديم الذبائح في الأعياد الكبرى كان يتم وفق إجراءات دقيقة داخل المعابد؛ حيث كان اختيار الحيوان المُقدَّم يتم وفق اعتبارات دينية ورمزية، إلى جانب اعتبارات تنظيمية واقتصادية.
طقوس الذبح الصارمة وتوزيع المنافع
وتابع الخبير الأثري موضحاً أن فعل الذبح نفسه كان يتم في إطار طقسي صارم، تحيط به إجراءات التطهير والتبخير وتلاوة التعاويذ والنصوص الدينية، مؤكداً أن الهدف من هذه الإجراءات هو تأكيد الطابع المقدس للفعل، ومنع تحوله إلى ممارسة دنيوية خالصة، ليصبح الذبح جزءًا من نظام يهدف إلى تحويل المادة من حالة إلى أخرى داخل الإطار المقدس.
وعن مرحلة ما بعد الذبح
أشار إلى أنها مرحلة لا تقل أهمية؛ حيث تبدأ عملية توزيع القرابين وفق الآتي: الآلهة تقدم لها أجزاء من الذبيحة في صورة رمزية داخل المعبد، الكهنة: يُخصص لهم جزء آخر نظير قيامهم على الخدمة الدينية، المجتمع والعاملون يعاد توزيع الجزء الثالث عليهم، مما يربط المقدس بالاجتماعي والاقتصادي، واستطرد موضحاً أن المعبد في مصر القديمة كان هو المؤسسة المركزية التي تتجلى فيها هذه المنظومة بوصفه مركزاً إدارياً واقتصادياً ودينياً تُدار من خلاله عملية تقديم القرابين وتوزيعها، بما يضمن استمرار العلاقة بين العالم الإلهي والعالم البشري.
دور المعبد ودلالة الدم
وذكر عبد البصير أن الدم المصاحب للذبح لم يكن ينظر إليه كعنصر نجس أو فوضوي، بل كجزء من الفعل الطقسي يحمل دلالات التحول والانتقال، حيث لم يكن الموت في هذا السياق نهاية، بل مرحلة ضمن دورة أوسع من التجدد.
واختتم تصريحاته مؤكداً أن الأعياد والذبائح كانت الوسيط الذي يربط بين الإنسان والآلهة، وبين الأرض والسماء، ليتحول "الطعام" في مصر القديمة من مجرد مادة استهلاك يومية إلى عنصر ديني ورمزي يعبر من خلاله الإنسان عن فهمه للعالم، ومشاركته في استمرار وجوده ونظامه الكوني.















0 تعليق