خالد دومة يكتب: بواعث الشعور.. هل نحن أمة لا تحترم الفنون، أم أن حظنا منها ضئيل؟

اليوم 7 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

وإن كان كذلك، فما موقعنا في ميزان الإنسانية؟ كيف نُحسب ضمنها إذا كانت نظرتنا قاصرة، وشعورنا ضعيفًا، ولا همّ لنا إلا إشباع الجسد وما يقتات به؟ أهذا غاية ما يصبو إليه الإنسان؟ أن يتساوى مع سائر الكائنات في مجرد تحقيق الإشباع؟


كأننا بذلك نعطّل ملكات الحس والشعور التي تميزنا، وننحدر إلى مرتبة تشترك فيها جميع الكائنات, غاية النظر عند كثيرين أن يُحدّقوا في مواطن الشهوات، وغاية السمع أن ينصتوا إلى ما يدرّ منفعة مادية.


فما قيمة هذه الحياة إذن؟ ولماذا خُلقت الطبيعة بكل ما فيها من جمال؟
ما فائدة البساتين، والنجوم، وصوت العصافير، والموسيقى، والشعر, إذا كانت لا تُحرّك فينا شيئًا؟ هذه كلها ليست مجرد مظاهر، بل مفاتيح توقظ في الإنسان طاقات شعورية عظيمة، ترفعه فوق ماديات الحياة إلى عمقها وجوهرها, إنه شعور الإنسان ذلك الذي يُحيي النفس، ويحوّل قحطها إلى روضة غنّاء. وإني لأنظر إلى كثير من الناس فأتعجب, كيف يعيشون وهم محرومون من هذا الشعور؟


لا تطرب نفوسهم، ولا ترى أعينهم إلا الطعام، ولا يسعون إلا وراء الشهوات, كأنهم  رضوا بأدنى المطالب الإنسانية، واكتفوا بها. إن حياتهم تُسرق من بين أيديهم وهم غافلون، يخرجون منها بلا حياة, منتفخي البطون، هزيلي الشعور.
هي مطالب نفسية، وبواعث ضرورية، لا تتعلق بغنىً ولا بفقر؛ فهي راسخة في كل نفس, غير أن الفرق يكمن فيمن يُحسن تنميتها، ممن يدرك للحياة قيمةً تتجاوز مجرد شبع البطون إلى شبع النفوس, فلا ينبغي أن ننظر إلى الإنسان ثم نُجزّئه نصفين.


نُغالي في جانبٍ، ونُهمل الآخر, إنه دافع إنساني نحو الجمال، وميلٌ فطريّ، ورغبةٌ لا بد من تلبيتها. فالنفوس تحيا حين ترى، وتسمو حين تُحسّ بما ترى لقد أضعف إهمالهم هذه الملكات حتى كادت تذبل.ومن واجبنا نحو أنفسنا أن نحييها، وأن نعطيها نصيبًا حقيقيًا من حياتنا, علينا أن نتعلم كيف نرتقي بمشاعرنا، ونغذّيها كما نغذّي أجسادنا, فبناء النفس كَبناء الجسد، يحتاج إلى غذاء يقوّيه ويثبّته.


وهنا يأتي دور التعليم، والإعلام، وكل الوسائل التي تحيط بنا؛ لا أن تغرقنا في الغث، بل أن تفتح لنا أبواب الجمال والمعنى, فإذا صلحت النفوس، صلح الأفراد، وإذا صلح الأفراد، نهضت الأمة، وأصبح لدينا إنسان كامل, ببنية قوية، ونفس حيّة.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق