وردت هذه الحكاية اللغوية في كتاب «حدوتة ع الماشي» للدكتورة لميس جابر، الصادر عن دار نشر أطياف، حيث تتتبع الكاتبة أصول عدد من الكلمات المتداولة في حياتنا اليومية، والتي نظنها عربية أو تركية، بينما تكشف جذورها عن تأثيرات ثقافية فارسية قديمة.
ومن بين هذه الكلمات كلمة «بازار»، التي نسمعها كثيرًا في المناطق السياحية، خاصة في خان الخليلي بالقاهرة، أحد أشهر الأماكن التي يقصدها السياح في مصر. فعندما يتجول الزائر في أزقة خان الخليلي سيجد عشرات المحلات التي تبيع التماثيل المقلدة الصغيرة، والبرديات، والمشغولات النحاسية، والإكسسوارات، والهدايا التذكارية التي يحرص السياح على اقتنائها لتبقى ذكرى من زيارتهم لمصر، وكثيرًا ما تحمل هذه المحلات لافتات مكتوبًا عليها «بازار» متبوعًا باسم المحل، مثل «بازار كذا» أو «بازار كذا».
لكن قليلين ربما يعرفون أن كلمة «بازار» نفسها ليست عربية، بل هي كلمة فارسية أصيلة لم يطرأ عليها تغيير يذكر عند انتقالها إلى العربية، ومعناها ببساطة السوق أو المكان الذي تعرض فيه البضائع للبيع، وقد انتقلت الكلمة إلى لغات عديدة في الشرق نتيجة العلاقات التجارية والثقافية القديمة، حتى أصبحت كلمة مألوفة في كثير من البلدان.
ولا تقف الحكاية عند كلمة «بازار» فقط، فهناك كلمة أخرى شائعة في الثقافة المصرية كنا نظن طويلًا أنها كلمة تركية، وهي كلمة «باشا»، فقد كانت هذه الكلمة لقبًا رسميًا مهمًا يمنح لكبار الشخصيات في فترات تاريخية سابقة، خصوصًا في العهد العثماني وما بعده، وكان من يحصل على هذا اللقب يحظى بمكانة اجتماعية كبيرة، ويعامل بقدر كبير من الاحترام والتقدير.
غير أن المفاجأة التي تكشفها الدراسات اللغوية أن كلمة «باشا» ليست تركية الأصل كما يعتقد كثيرون، بل هي كلمة فارسية في الأساس، والكلمة مركبة من مقطعين: «باه» وتعني القدم، و«شاه» وتعني الملك، وهي الكلمة نفسها التي تظهر في تعبيرات مثل «شاه إيران»، وبهذا المعنى تصبح كلمة «باشا» مرتبطة رمزيًا بالقرب من الملك أو المكانة الرفيعة المرتبطة به.
ومع مرور الزمن، خرجت الكلمة من إطارها الرسمي وأصبحت تستخدم في الحياة اليومية بمعاني أوسع، ففي اللهجة المصرية، صارت كلمة «باشا» تعبيرًا عن الاحترام أو التقدير، وقد تُستخدم أحيانًا على سبيل الدعابة أو المجاملة.
كما ظهرت منها تعبيرات مركبة في العامية المصرية مثل باشمهندس وباشمحاسب وباشحكيم، وهي ألفاظ كانت شائعة خصوصًا في الأربعينيات والخمسينيات، حيث كانت تستخدم للدلالة على التقدير أو المكانة المهنية.
وهكذا تكشف لنا هذه الأمثلة كيف انتقلت كلمات فارسية إلى العربية عبر قرون من التفاعل الحضاري، حتى أصبحت جزءًا من مفرداتنا اليومية دون أن نلتفت إلى أصولها البعيدة، وهي حكايات لغوية صغيرة، لكنها تعكس تاريخًا طويلًا من التواصل بين الثقافات والشعوب.














0 تعليق