Advertisement
هذه الانتكاسة تأتي في توقيت بالغ الحساسية، إذ يتزامن التعثر السياسي مع ارتفاع منسوب الحديث عن احتمال حصول تصعيد عسكري واسع في لبنان خلال المرحلة المقبلة، وتحديدًا بين شهري أيلول وتشرين الأول. وبغض النظر عن دقة المواعيد المتداولة، فإن مجرد تزامنها مع تراجع فرص التفاوض يفتح الباب أمام قراءة مختلفة للمشهد، تقوم على أن المسارين، السياسي والعسكري، باتا مرتبطين ببعضهما أكثر من أي وقت مضى.
وفق هذه القراءة، قد تكون إسرائيل نفسها غير متحمسة للوصول سريعًا إلى تفاهم نهائي مع لبنان وفق موازين القوى الحالية. فتل أبيب، التي تبحث دائمًا عن ترجمة تفوقها العسكري إلى مكاسب سياسية، قد ترى أن العودة إلى الميدان قبل استكمال المفاوضات تسمح لها بتحسين شروطها على الطاولة لاحقًا.
وهنا تكمن خطورة المرحلة المقبلة. فالعملية العسكرية الإسرائيلية المحتملة، في حال حصولها، قد لا تكون محصورة هذه المرة بالسيطرة على بعض التلال أو المواقع المرتفعة، ولا حتى بمحور علي الطاهر الذي أخذ حيزًا كبيرًا من النقاش العسكري والإعلامي خلال الفترة الماضية. السيناريو الأكثر خطورة يقوم على محاولة تحقيق اختراقات أوسع باتجاه مناطق تقع في عمق الجنوب اللبناني، بما يسمح لإسرائيل بفرض وقائع ميدانية جديدة يمكن استخدامها لاحقًا كورقة ضغط تفاوضية.
بالنسبة إلى إسرائيل، فإن الدخول إلى أي مفاوضات بعد تحقيق تقدم ميداني سيكون مختلفًا تمامًا عن التفاوض وفق الوضع الحالي. السيطرة على أراضٍ إضافية، أو حتى التهديد الجدي بالوصول إليها، يمنح المفاوض الإسرائيلي أوراقًا أكبر، ويجعل الجانب اللبناني أمام خيارات أكثر صعوبة. عندها تصبح عملية الانسحاب نفسها جزءًا من المساومة، ويمكن ربطها بملفات سياسية وأمنية أخرى تريد إسرائيل فرضها ضمن أي اتفاق مقبل.
لكن هذا السيناريو ليس مضمون النتائج بالنسبة إلى تل أبيب. فمحاولة التقدم في عمق الجنوب تختلف جذريًا عن السيطرة على مواقع حدودية أو تلال مرتفعة. كلما توسعت العمليات البرية، ارتفعت الكلفة العسكرية، وازدادت احتمالات تحول المواجهة المحدودة إلى حرب أوسع يصعب ضبط حدودها وتوقيتها.
لهذا، فإن الأسابيع المقبلة قد تكون شديدة الحساسية. فتعثر المفاوضات لا يعني بالضرورة نهايتها، لكنه يجعل الخيار العسكري أكثر حضورًا في الحسابات. وقد نكون أمام مرحلة تحاول فيها إسرائيل استخدام الميدان لإعادة تشكيل طاولة التفاوض، لا لإلغائها بالكامل. أي أن الهدف من التصعيد، إذا حصل، قد يكون الوصول مجددًا إلى المفاوضات، ولكن هذه المرة من موقع ميداني مختلف يسمح بفرض شروط أكبر وانتزاع مكاسب سياسية لم يكن من الممكن تحقيقها قبل المعركة.




0 تعليق