حمل رئيس الجمهورية جوزاف عون في زيارته إلى إيطاليا ملفًا يتجاوز العلاقات الثنائية أو المشاركة في افتتاح ألعاب البحر المتوسط. ففي لقائه رئيسة الوزراء جورجيا ميلوني، وضع على الطاولة قضيتين ترتبطان مباشرة بمستقبل الجنوب: المفاوضات الجارية مع إسرائيل، والمرحلة التي ستلي انتهاء عمل "اليونيفيل". وشكر عون إيطاليا على استضافة المفاوضات الثلاثية، فيما أكد أن البحث تناول أيضًا ما سيحدث بعد انتهاء مهمة القوة الدولية.
لا يأتي اختيار روما لهذا النقاش من فراغ. فقد استضافت العاصمة الإيطالية في 14 و15 تموز الجولة الأولى من المفاوضات اللبنانية–الإسرائيلية التي تتوسط فيها الولايات المتحدة، ثم استضافت جولة جديدة في 4 آب، فيما دخل وزير الخارجية أنطونيو تاجاني مباشرة على خط التواصل مع الوفدين والوسطاء الأميركيين. كما أعلنت الحكومة الإيطالية أنها تعمل مع شركائها الأوروبيين والدوليين لمنع نشوء فراغ أمني في جنوب لبنان بعد انتهاء "اليونيفيل".
هكذا باتت إيطاليا موجودة في طرفي المعادلة: تستضيف التفاوض الذي يفترض أن يرسم ترتيبات الجنوب، وتشارك في البحث عن الإطار الأمني الذي سيواكبها لاحقًا. وإذا كانت إيطاليا واحدة من عشرات الدول المشاركة في "اليونيفيل"، غير أنها تبدو في مقدمة الدول الأوروبية استعدادًا للانتقال من مرحلة القبعات الزرقاء إلى صيغة جديدة. فما الذي يجعل روما مرشحة لهذا الدور، وهل يتحول الرهان اللبناني عليها من شريك داخل "اليونيفيل" إلى ركيزة في الترتيبات التي ستخلفها؟
حضور لا يبدأ ولا ينتهي مع "اليونيفيل"
تملك إيطاليا اليوم أحد أكبر المكونات الوطنية داخل القوة الدولية. ووفق أرقام "اليونيفيل" المحدثة في 19 آب، يشارك 738 جنديًا إيطاليًا من أصل 7462 عنصرًا، ما يجعل إيطاليا ثاني أكبر دولة مساهمة بالقوات بعد إندونيسيا. ويقود القوة نفسها منذ حزيران 2025 ضابط إيطالي هو الجنرال ديوداتو أبانيارا، الذي يعرف الملف اللبناني من مواقع سابقة، بينها قيادة القطاع الغربي ورئاسة اللجنة العسكرية التقنية من أجل لبنان.
لكن هذه المشاركة ليست سوى واحدة من ثلاث أدوات عسكرية إيطالية تعمل في البلاد في الوقت نفسه. فإلى جانب "اليونيفيل"، تدير روما منذ عام 2015 البعثة العسكرية الثنائية الإيطالية في لبنان "MIBIL"، التي تتولى تدريب الجيش وتقديم المشورة والمساعدة له. كما ترأس إيطاليا اللجنة العسكرية التقنية من أجل لبنان "MTC4L"، وهي آلية متعددة الأطراف لتنسيق دعم الجيش اللبناني.
وتصف وزارة الدفاع الإيطالية نفسها "اليونيفيل" و"MIBIL" و"MTC4L" بأنها ثلاث مبادرات منفصلة لكن منسقة ضمن حضور واحد في لبنان. ولعلّ هذه البنية تفسر جانبًا من الرهان اللبناني، ولا سيما أن روما لا تتعامل فقط مع الجيش من بوابة التدريب، وإنما باتت تستضيف المفاوضات التي تتناول ترتيبات الأمن في الجنوب، ما يمنحها موقعًا متقدمًا في ربط ما يجري على طاولة التفاوض بما يحتاج إليه الجيش على الأرض.
من يبقى بعد رحيل القبعات الزرقاء؟
حدد قرار مجلس الأمن 2790 نهاية واضحة للمهمة الحالية. فولاية "اليونيفيل" تستمر حتى 31 كانون الأول 2026، ثم تتوقف عملياتها ويبدأ انسحاب منظم وآمن يفترض اكتماله خلال سنة، أي بحلول نهاية 2027. والهدف الذي وضعه القرار لهذه المرحلة هو أن تصبح الحكومة اللبنانية الجهة الوحيدة التي توفر الأمن في الجنوب، فيما طلب من الأمين العام البحث في خيارات استمرار تنفيذ القرار 1701 بعد انسحاب القوة، بما يشمل مراقبة الخط الأزرق ودعم انتشار الجيش.
لذلك لا توجد حتى الآن قوة دولية بديلة جاهزة تنتظر تسلم مواقع "اليونيفيل"، وإنما نقاش حول الصيغة التي يمكن أن تملأ بعض وظائفها من دون إعادة إنتاجها بالاسم نفسه. وقد بدأ لبنان هذا النقاش عمليًا قبل زيارة عون الأخيرة إلى إيطاليا بوقت طويل. ففي 22 كانون الأول 2025، أبلغ عون وزير الدفاع الإيطالي غويدو كروسيتو ترحيبه بمشاركة إيطاليا ودول أوروبية أخرى في أي قوة تحل محل "اليونيفيل" بعد اكتمال انسحابها، على أن تساعد الجيش في حفظ الأمن والاستقرار على الحدود الجنوبية بعد الانسحاب الإسرائيلي.
يومها، أعلن كروسيتو بدوره أن بلاده ترغب في إبقاء قوات في منطقة جنوب الليطاني، وأن دولًا أوروبية أخرى تفكر في الاتجاه نفسه. وبعد ذلك، ذهب وزير الخارجية أنطونيو تاجاني خطوة أبعد، معلنًا استعداد إيطاليا للمشاركة اعتبارًا من مطلع 2027 في مهمة دولية تحت راية الأمم المتحدة أو الاتحاد الأوروبي، وكاشفًا أن روما تعمل مع فرنسا على هذا التصور. واليوم، يمكن القول إن البحث انتقل من نقاش عسكري مبكر إلى مستوى سياسي أعلى، بعدما أصبح "ما بعد اليونيفيل" بندًا معلنًا في لقاء عون وميلوني.
هذا لا يعني أن إيطاليا ستستبدل الأمم المتحدة أو أن شكل الحضور الدولي اللاحق قد حُسم. فأي صيغة جديدة تحتاج إلى تحديد أساسها القانوني ومهمتها وقواعد عملها وعلاقتها بالجيش اللبناني، فضلًا عن الدول التي ستشارك فيها. لكن موقع روما يبدو متقدمًا في هذا النقاش، فهي تجمع حضورًا عسكريًا طويلًا في الجنوب، وبعثة ثنائية لتدريب الجيش، وقيادة آلية دولية لدعمه، ودورًا سياسيًا في استضافة التفاوض مع إسرائيل، إلى جانب استعداد معلن للمشاركة في المرحلة التالية. لذلك لا يقوم الرهان اللبناني على استبدال "اليونيفيل" بقوة إيطالية، وإنما على الاستفادة من هذا الحضور المتعدد لبناء مظلة أوروبية ودولية تساعد الجيش في إدارة الانتقال بعد رحيل القبعات الزرقاء.
Advertisement
لا يأتي اختيار روما لهذا النقاش من فراغ. فقد استضافت العاصمة الإيطالية في 14 و15 تموز الجولة الأولى من المفاوضات اللبنانية–الإسرائيلية التي تتوسط فيها الولايات المتحدة، ثم استضافت جولة جديدة في 4 آب، فيما دخل وزير الخارجية أنطونيو تاجاني مباشرة على خط التواصل مع الوفدين والوسطاء الأميركيين. كما أعلنت الحكومة الإيطالية أنها تعمل مع شركائها الأوروبيين والدوليين لمنع نشوء فراغ أمني في جنوب لبنان بعد انتهاء "اليونيفيل".
هكذا باتت إيطاليا موجودة في طرفي المعادلة: تستضيف التفاوض الذي يفترض أن يرسم ترتيبات الجنوب، وتشارك في البحث عن الإطار الأمني الذي سيواكبها لاحقًا. وإذا كانت إيطاليا واحدة من عشرات الدول المشاركة في "اليونيفيل"، غير أنها تبدو في مقدمة الدول الأوروبية استعدادًا للانتقال من مرحلة القبعات الزرقاء إلى صيغة جديدة. فما الذي يجعل روما مرشحة لهذا الدور، وهل يتحول الرهان اللبناني عليها من شريك داخل "اليونيفيل" إلى ركيزة في الترتيبات التي ستخلفها؟
حضور لا يبدأ ولا ينتهي مع "اليونيفيل"
تملك إيطاليا اليوم أحد أكبر المكونات الوطنية داخل القوة الدولية. ووفق أرقام "اليونيفيل" المحدثة في 19 آب، يشارك 738 جنديًا إيطاليًا من أصل 7462 عنصرًا، ما يجعل إيطاليا ثاني أكبر دولة مساهمة بالقوات بعد إندونيسيا. ويقود القوة نفسها منذ حزيران 2025 ضابط إيطالي هو الجنرال ديوداتو أبانيارا، الذي يعرف الملف اللبناني من مواقع سابقة، بينها قيادة القطاع الغربي ورئاسة اللجنة العسكرية التقنية من أجل لبنان.
لكن هذه المشاركة ليست سوى واحدة من ثلاث أدوات عسكرية إيطالية تعمل في البلاد في الوقت نفسه. فإلى جانب "اليونيفيل"، تدير روما منذ عام 2015 البعثة العسكرية الثنائية الإيطالية في لبنان "MIBIL"، التي تتولى تدريب الجيش وتقديم المشورة والمساعدة له. كما ترأس إيطاليا اللجنة العسكرية التقنية من أجل لبنان "MTC4L"، وهي آلية متعددة الأطراف لتنسيق دعم الجيش اللبناني.
وتصف وزارة الدفاع الإيطالية نفسها "اليونيفيل" و"MIBIL" و"MTC4L" بأنها ثلاث مبادرات منفصلة لكن منسقة ضمن حضور واحد في لبنان. ولعلّ هذه البنية تفسر جانبًا من الرهان اللبناني، ولا سيما أن روما لا تتعامل فقط مع الجيش من بوابة التدريب، وإنما باتت تستضيف المفاوضات التي تتناول ترتيبات الأمن في الجنوب، ما يمنحها موقعًا متقدمًا في ربط ما يجري على طاولة التفاوض بما يحتاج إليه الجيش على الأرض.
من يبقى بعد رحيل القبعات الزرقاء؟
حدد قرار مجلس الأمن 2790 نهاية واضحة للمهمة الحالية. فولاية "اليونيفيل" تستمر حتى 31 كانون الأول 2026، ثم تتوقف عملياتها ويبدأ انسحاب منظم وآمن يفترض اكتماله خلال سنة، أي بحلول نهاية 2027. والهدف الذي وضعه القرار لهذه المرحلة هو أن تصبح الحكومة اللبنانية الجهة الوحيدة التي توفر الأمن في الجنوب، فيما طلب من الأمين العام البحث في خيارات استمرار تنفيذ القرار 1701 بعد انسحاب القوة، بما يشمل مراقبة الخط الأزرق ودعم انتشار الجيش.
لذلك لا توجد حتى الآن قوة دولية بديلة جاهزة تنتظر تسلم مواقع "اليونيفيل"، وإنما نقاش حول الصيغة التي يمكن أن تملأ بعض وظائفها من دون إعادة إنتاجها بالاسم نفسه. وقد بدأ لبنان هذا النقاش عمليًا قبل زيارة عون الأخيرة إلى إيطاليا بوقت طويل. ففي 22 كانون الأول 2025، أبلغ عون وزير الدفاع الإيطالي غويدو كروسيتو ترحيبه بمشاركة إيطاليا ودول أوروبية أخرى في أي قوة تحل محل "اليونيفيل" بعد اكتمال انسحابها، على أن تساعد الجيش في حفظ الأمن والاستقرار على الحدود الجنوبية بعد الانسحاب الإسرائيلي.
يومها، أعلن كروسيتو بدوره أن بلاده ترغب في إبقاء قوات في منطقة جنوب الليطاني، وأن دولًا أوروبية أخرى تفكر في الاتجاه نفسه. وبعد ذلك، ذهب وزير الخارجية أنطونيو تاجاني خطوة أبعد، معلنًا استعداد إيطاليا للمشاركة اعتبارًا من مطلع 2027 في مهمة دولية تحت راية الأمم المتحدة أو الاتحاد الأوروبي، وكاشفًا أن روما تعمل مع فرنسا على هذا التصور. واليوم، يمكن القول إن البحث انتقل من نقاش عسكري مبكر إلى مستوى سياسي أعلى، بعدما أصبح "ما بعد اليونيفيل" بندًا معلنًا في لقاء عون وميلوني.
هذا لا يعني أن إيطاليا ستستبدل الأمم المتحدة أو أن شكل الحضور الدولي اللاحق قد حُسم. فأي صيغة جديدة تحتاج إلى تحديد أساسها القانوني ومهمتها وقواعد عملها وعلاقتها بالجيش اللبناني، فضلًا عن الدول التي ستشارك فيها. لكن موقع روما يبدو متقدمًا في هذا النقاش، فهي تجمع حضورًا عسكريًا طويلًا في الجنوب، وبعثة ثنائية لتدريب الجيش، وقيادة آلية دولية لدعمه، ودورًا سياسيًا في استضافة التفاوض مع إسرائيل، إلى جانب استعداد معلن للمشاركة في المرحلة التالية. لذلك لا يقوم الرهان اللبناني على استبدال "اليونيفيل" بقوة إيطالية، وإنما على الاستفادة من هذا الحضور المتعدد لبناء مظلة أوروبية ودولية تساعد الجيش في إدارة الانتقال بعد رحيل القبعات الزرقاء.



0 تعليق