نشرت صحيفة "يديعوت أحرونوت" الإسرائيلية تقريراً جديداً، اعتبرت فيه أن لبنان قد يشكل "الاختراق المقبل" ضمن مسار اتفاقيات أبراهام، داعية إسرائيل إلى عدم إضاعة ما وصفته بـ"فرصة نادرة" أوجدتها سنوات من الجهود الدبلوماسية، وضعف "حزب الله"، والتحولات التي شهدتها المنطقة.
التقرير الذي ترجمهُ "لبنان24" بدأ بالإشارة إلى تصريحات جاريد كوشنر، صهر الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي قال إن "الشرق الأوسط يقف مجدداً عند نقطة تحول"، وإن هناك اليوم "فرصاً لتحقيق اختراقات سيقول كثيرون إنها مستحيلة".
وبحسب كوشنر، فإن الدرس الذي قدمته اتفاقيات أبراهام يتمثل في إمكانية تجاوز الافتراضات الراسخة عندما يركز القادة على المصالح المشتركة بدلاً من الاكتفاء بإدارة الصراعات. كذلك، قال كوشنر إنَّ الاتفاقيات أثبتت وجود "مسار مختلف"، وإن الفرصة متاحة لبناء حركة أوسع تقوم على التعاون والازدهار المشترك والأمن، وأضاف: "لقد فاجأنا العالم مرة. ومع القيادة والتركيز والصبر والشجاعة المناسبة، أعتقد أننا نستطيع فعل ذلك مجدداً".
ويناقش التقرير الساحة التي يمكن أن يقصدها كوشنر بهذا "الاختراق"، مستبعداً تحقيق تقدم سريع في غزة بسبب صعوبة مسار نزع السلاح، فيما رأى أن الرئيس السوري أحمد الشرع يُظهر اعتدالاً وجدية، لكنه لم يعطِ، بحسب الكاتب، أي إشارة إلى قبوله ببقاء الجولان تحت السيطرة الإسرائيلية.
أما السعودية، فأشار التقرير إلى أنها أبدت قبل أحداث 7 تشرين الأول 2023 استعداداً للمشاركة في المبادرة الكبرى التي دفعت بها إدارة الرئيس الأميركي السابق جو بايدن، لكن التطورات التي شهدتها السنوات اللاحقة قلصت، وفق الصحيفة، مساحة التفاؤل.
وبذلك، خلص الكاتب إلى أن "لبنان يبقى الخيار المتاح"، معتبراً أنه إذا كان كوشنر يقصد بيروت في حديثه عن اختراق دبلوماسي جديد، "فهو محق تماماً".
وتوقف التقرير مطولاً عند دور المبعوث الأميركي السابق آموس هوكشتاين، معتبراً أنه حتى لو لم يكن حاضراً في صورة توقيع اتفاق سلام محتمل مستقبلاً بين لبنان وإسرائيل، فإن الوصول إلى مثل هذا الاتفاق لا يمكن تصوره من دون العمل الذي قام به خلال إدارتي باراك أوباما وجو بايدن.
ووفق التقرير، بدأت هذه الجهود بالدور الذي لعبه هوكشتاين في التوصل إلى اتفاق ترسيم الحدود البحرية بين لبنان وإسرائيل في 27 تشرين الأول 2022. ورغم الانتقادات التي أحاطت بالاتفاق داخل إسرائيل، فإن الحكومة الإسرائيلية الحالية لم تحاول تغييره.
وأشار الكاتب إلى أن النتائج الاقتصادية للاتفاق بقيت محدودة حتى الآن، خصوصاً أن عمليات التنقيب قبالة الساحل اللبناني لم تؤدِ إلى اكتشاف كميات من الغاز قابلة للاستثمار التجاري، لكنه رأى أن أهمية الاتفاق تكمن في إثبات إمكانية إيجاد أرضية مشتركة بين لبنان وإسرائيل في ملف بقي موضع خلاف لسنوات.
وبحسب التقرير، فقد شكّل ذلك نقطة انطلاق للمهمة التالية التي اضطلع بها هوكشتاين عام 2024، بعد نحو عام من القتال المكثف بين إسرائيل و"حزب الله"، إذ تنقل بين بيروت والقدس محاولاً تجاوز ثلاث عقبات أساسية: الفراغ الرئاسي اللبناني آنذاك، وتداعيات اغتيال الأمين العام السابق لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله في أيلول 2024، وانهيار آليات تطبيق القرار 1701.
وذكر الكاتب أن هوكشتاين كان يراهن على رئيس مجلس النواب نبيه بري للعب دور محوري في رسم السياسة اللبنانية، وكان مقتنعاً بأن بري يضع المصالح الوطنية اللبنانية الأوسع في مقدمة أولوياته، رغم شكوك الجانب الإسرائيلي في ذلك بسبب علاقته بـ"حزب الله" وإيران.
وفي ما يتعلق بمخاوف إسرائيل من تكرار تجربة القرار 1701، قال التقرير إن هوكشتاين دعم المطلب الإسرائيلي بالحفاظ على حرية التحرك العسكري بما يسمح للجيش الإسرائيلي، وفق الرؤية الإسرائيلية، بفرض تنفيذ الاتفاق من دون الاعتماد على موافقة لبنانية أو أميركية.
كذلك، اعتقد هوكشتاين، بحسب الكاتب، أنَّ ضعف "حزب الله" سيتيح لخصومه اللبنانيين هامشاً أوسع للتحرك، معتبراً أن التطورات اللاحقة قادت في نهاية المطاف إلى اتفاق وقف إطلاق النار.
تحولات غيّرت المشهد
وأشار التقرير إلى سلسلة تطورات إقليمية ودولية قال إنها غيّرت البيئة الاستراتيجية منذ توقيع الاتفاق، أبرزها عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، وسقوط نظام بشار الأسد وقيام سلطة سورية جديدة تعتبر إيران و"حزب الله" خصمين لها، إلى جانب انتخاب جوزاف عون رئيساً للجمهورية اللبنانية.
وذكر الكاتب أن تجدد القتال بين إسرائيل و"حزب الله" خلال الحملة ضد إيران أدى، بحسب الرواية التي يوردها التقرير، إلى سيطرة إسرائيلية على مناطق واسعة في جنوب لبنان.
أيضاً، تحدث التقرير عن توقيع الولايات المتحدة وإسرائيل ولبنان، بمبادرة من ترامب ووزير الخارجية ماركو روبيو، "اتفاق إطار ثلاثي" في واشنطن خلال حزيران، مُعتبراً أنه مهّد لتحول تاريخي محتمل في العلاقات بين لبنان وإسرائيل.
وانطلاقاً من ذلك، رأى التقرير أن البيئة الحالية باتت مواتية لاستكمال مسار دبلوماسي مع الحكومة اللبنانية، داعياً إسرائيل إلى عدم إضاعة الأشهر المقبلة في انتظار الانتخابات والتطورات السياسية التي ستليها.
واعتبر أن لبنان وإسرائيل لديهما مصلحة في الاستفادة من الاهتمام الأميركي الحالي بهذا الملف، خصوصاً في ظل عدم وضوح السياسة التي قد يعتمدها ترامب بعد انتخابات الكونغرس في تشرين الثاني.
ويرى الكاتب أن الخلافات الجوهرية بين لبنان وإسرائيل يمكن، من وجهة نظره، تجاوزها، إذ لا توجد بين البلدين قضية لاجئين مباشرة، ولا مواقع دينية مقدسة تقع في صلب النزاع، ولا قضية استيطان يهودي في أراضٍ يعتبرها اليهود تاريخية، كما لا يوجد، وفق تعبيره، "إرث من قرون من سفك الدماء بين المُجتمعين".
وبحسب التقرير، تبقى العقبة المركزية أمام أي مسار من هذا النوع هي معارضة "حزب الله"، معتبراً أن على الطرفين تركيز جهودهما على معالجة هذه المسألة من خلال ما وصفه بـ"حسن النية والحكمة السياسية والخطوط الحمراء الواضحة" التي تسمح بإدارة المخاطر.
وختم الكاتب بالإشارة إلى أن آموس هوكشتاين لم يعد جزءاً من المشهد، لكنه اعتبر أن الإرث الدبلوماسي الذي تركه يمكن البناء عليه، في وقت يرى فيه أن الظروف الحالية قد تفتح نافذة نادرة أمام انتقال لبنان وإسرائيل من ترتيبات وقف إطلاق النار وإدارة النزاع إلى مسار سياسي أوسع.
Advertisement





0 تعليق