أنطش سيدة المعونات بعلبك... قرن ونصف من الصمود والتلاقي

لبنان24 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف
في قلب "مدينة الشمس"، وعلى مقربة من أعمدة قلعة بعلبك الرومانية الشامخة، يقف أنطش سيدة المعونات المارونية كشاهدٍ حي على عمق الجذور الروحية والتاريخية في البقاع. هذا الصرح هو تجسيد حي لرسالة تجمع بين إرادة إلهية وضعت للمسيحيين جذوراً في هذه الأرض منذ عصر الرسل في القرن الأول، وإرادة بشرية تأبى الانكسار رغم كل العواصف.

Advertisement


من "حدث الجبة" إلى جيرة الرومان

يروي رئيس دير سيدة المعونات بعلبك، الأب شربل طراد، عبر "لبنان ٢٤" جذور هذا المعلم التاريخي التي تعود إلى عام 1853، عندما انطلقت فكرة التأسيس على يد الأب الراهب دانيال علم الحدثي، الآتي من بلدة حدث الجبة في قضاء بشري، إذ بدأت أعمال البناء بجهود الرهبانية اللبنانية المارونية، ليتم تدشين وتكريس الكنيسة رسمياً عام 1870.

ومنذ ذلك الحين، شكّل الدير مرجعية ومركز ثقل أساسي؛ فكان مقراً للنيابة البطريركية والأسقفية للموارنة الممتدة من بعلبك حتى الهرمل، كما احتضن أول مدرسة تأسست في المنطقة، ليكون منارة رعوية وتربوية رائدة.

 

 

 

 

 

 

 

هندسة تراثية وتاريخ من التلاقي الوطني

تجمع الهندسة المعمارية للكنيسة بين عراقة الحجر اللبناني التراثي وفخامة سقفها المهيب المنسوج من خشب اللزاب. ويتكامل هذا المشهد التراثي عند المذبح، حيث تتوسطه لوحة "سيدة المعونات" الأيقونية التي أبدعتها ريشة الفنان اللبناني العالمي داود القرم.
وعلى مر العقود، تحوّل الأنطش إلى مساحة تلاقٍ وطني بامتياز؛ فكانت باحته مقصداً لرجالات الفكر والدين من كل الطوائف، وعلى رأسهم الإمام موسى الصدر الذي كان يجد في هذا المكان تجسيداً حقيقياً للوحدة والعيش المشترك.
وفي هذا السياق، يشير طراد إلى أنه حتى في أحلك الظروف وخلال الحرب الأخيرة، كان الدير يتحوّل إلى ملاذ آمن ومركز لجوء يقصده أبناء المنطقة من مختلف الانتماءات، يقينًا منهم بأن هذا الصرح هو بيت الله الذي يتسع للجميع وتحتضنهم فيه عناية العذراء مريم.

 

 

 

 


كنيسة المعونات نالت نصيبها من دمار "المنشية"

ومع استمرار الأخطار المحيطة بالمنطقة الأثرية والتي باتت تشكل تهديداً مباشراً للصرح، امتدت يد التدمير الإسرائيلية في تشرين الثاني من عام 2024 لتستهدف مبنى "المنشية" الأثري والتاريخي؛ تلك الأيقونة التراثية التي تعود إلى القرن التاسع عشر، وشكّلت على مدى عقود واجهة المدينة ومقهاها العريق، ومحترفاً للفن والفولكلور يفوح منه الإرث العمراني لـ"مدينة الشمس".
بصاروخ غادر، تحوّلت المنشية إلى ركام وغبار. ولأن الصرح الديني لا ينفصل عن جيرته التاريخية، فقد تضررت كنيسة سيدة المعونات بشكل مباشر من جراء هذا القصف العنيف الذي لم يبعد عنها سوى مسافة ضئيلة تُقدر بحوالى 50 متراً فقط؛ حيث عصف الانفجار الشديد بأرجاء الدير، مما تسبب في تحطم أبوابه وزجاجه وتصدع سقفه، لتلتقي خسارة المنشية التراثية مع الأضرار البالغة التي أصابت الكنيسة المجاورة.

 

 

 

 

 

أمام هذا الواقع المرير، كان لا بد من ورشة نهوض جديدة وإرادة انبعاث للحجر. وبتوجيه وإشراف مباشر من الأب شربل طراد، انطلقت ورشة ترميم شاملة استمرت عاماً كاملاً من العمل الدؤوب، شملت تجديد الأبواب والزجاج وإعادة تأهيل سقف الكنيسة للحفاظ على طابعها الأثري العريق.
ويؤكد طراد أن الجهود في هذه الورشة تضافرت بمساندة حيوية من جمعيات أهلية ومانحة ساهمت في إتمام هذا الإنجاز وإعادة الألق للصرح، ليعود الجرس ليرنّ من جديد في سماء بعلبك. ويضيف أن الدير يواصل اليوم تألقه بدور إنساني جامع، فاتحاً باحاته وقلبه لاحتضان العائلات في الأزمات من دون تمييز.

نداء إلى الجهات الرسمية: الأمن وتثبيت الأرض

ورغم بُعد المنطقة جغرافياً وطبيعة التحديات الراهنة المرتبطة بالحرب، تبرز الحاجة الملحة إلى تكامل الجهود الرسمية، لحماية الصرح ورفع التعديات التي تخنقه، إذ لاحظ "لبنان٢٤" أن الدير يواجه واقعاً مأزوماً بفعل ممارسات بعض الخارجين عن القانون الذين عمدوا إلى إغلاق مدخل الكنيسة الرئيسي بعوائق إسمنتية عشوائية، فضلاً عن وضع "كشك" جانبي لبيع البضائع، مما يشوّه المظهر الحضاري للموقع ويعوّق حركة الرعية والزوار، مما يتطلب تدخلاً حاسماً وفورياً من الأجهزة الأمنية والوزارات المعنية لفرض هيبة القانون وإزالة هذه المخالفات.

وفي هذا الإطار، يشدد طراد على أن تثبيت المواطن في أرضه ودعم استقراره واقتصاده يستدعيان لفتة واهتماماً استثنائياً من المعنيين، ولا سيما وزارات السياحة والثقافة والداخلية؛ فالمواطن والزائر بحاجة حقيقية للشعور بالأمان والاستقرار لكي يتمكنا من المجيء، والاستثمار، والبقاء، في ظل بيئة رسمية ضامنة تحمي الممتلكات وتصون الذاكرة والتاريخ في هذه المنطقة الأثرية العالمية.



يُمثِّل أنطش سيدة المعونات نموذجاً حياً للتلاقي والانفتاح في البقاع. ودعوة الالتفات إليه وحمايته، تتجاوز البعد الرعوي لتصبح قضية وطنية بامتياز، هدفها صون الذاكرة الجماعية والتأكيد على أن هذا الصرح سيبقى، كما كان عبر تاريخه، منارة تجمع ولا تفرّق، وشاهداً راسخاً على قوة العيش المشترك.
إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق