Advertisement
خلال الساعات الأخيرة، صعّدت القوات الإسرائيلية عملياتها حول مرتفعات علي الطاهر. فقد ألقت مسيّرة غالونات محملة بالمتفجرات فوق أحراج المنطقة، أعقبها قصف وغارة جوية قرابة الواحدة بعد منتصف الليل. وتزامن ذلك مع استمرار عمليات التمشيط والتفجير في أكثر من محور جنوبي، عشية انطلاق مفاوضات روما ظهر اليوم الثلاثاء.
هذا التصعيد لا يبدو منفصلاً عن الطاولة الإيطالية. فإسرائيل ترفع مستوى الضغط العسكري قبل الجولات التفاوضية، بما يسمح لها بالدخول إلى النقاش محمّلة بوقائع ميدانية وطلبات أمنية إضافية. وهي تحاول هذه المرة نقل السؤال من: متى تنسحب القوات الإسرائيلية؟ إلى: من يدخل علي الطاهر، ومن يفتش أنفاقها، ومن يضمن عدم عودة حزب الله إليها؟
تنسب إسرائيل إلى التلة شبكة من المنشآت والأنفاق التابعة لحزب الله، وهو ادعاء تستخدمه لتبرير استمرار عملياتها ورفضها ربط أي انسحاب بجدول زمني ملزم.
وبحسب المعلومات المواكبة للمفاوضات، تصر إسرائيل على إدخال علي الطاهر ضمن المرحلة المقبلة من "المناطق التجريبية"، فيما يطالب لبنان بأن تشمل المرحلة الثانية بنت جبيل أو الخيام، وأن يبدأ المسار بانسحاب إسرائيلي فعلي تتسلم بعده وحدات الجيش الأرض. وتشير مصادر متابعة إلى وجود رغبة إسرائيلية في استكمال احتلال التلة وتدمير الأنفاق المنسوبة إليها، وسط حديث عن انتظار ضوء أخضر أميركي، من دون صدور تأكيد رسمي أميركي بهذا الشأن.
لكن أكثر المشاهد دلالة كان ظهور طائرة "درون" إسرائيلية تبث رسائل صوتية فوق التلة، تدعو عناصر الحزب إلى الانسحاب وتعدهم بالأمان. ولم يتسنَّ التحقق بصورة مستقلة من وجود عناصر داخل الأنفاق أو من وصول الرسالة إليهم، ما يجعل المشهد مفتوحاً على أكثر من تفسير.
الهدف الأول من العملية نفسي، ويتمثل في إظهار إسرائيل كأنها تفرض طوقاً كاملاً على المنطقة وتعرف ما يجري في باطنها. فالرسالة لا تخاطب الموجودين المفترضين فقط، بل تخاطب أيضاً الجمهور الإسرائيلي والوسطاء، لتكريس رواية مفادها أن التلة محاصرة وأن سقوطها بات مسألة وقت.
أما الهدف الثاني، فقد يكون استخبارياً. فبث الأصوات قد يدفع الموجودين، إن وُجدوا، إلى الحركة أو الاتصال أو الاقتراب من المخارج، بما يسمح للمسيّرات وأجهزة الرصد بتحديد أماكنهم. وهذا احتمال لا يمكن الجزم به، لكنه ينسجم مع الجمع بين التحليق المنخفض والمراقبة وإلقاء المتفجرات في المنطقة نفسها.
الهدف الثالث هو توفير تمهيد إعلامي وقانوني لأي عملية أوسع، بحيث تدعي إسرائيل لاحقاً أنها وجهت إنذاراً قبل تنفيذ القصف أو تفجير الأنفاق. وبذلك تصبح "الدرون المتكلمة" أداة في الحرب النفسية والاستطلاع معاً، وليست مجرد وسيلة لبث نداء؛ فهي تبحث عن رد فعل بقدر ما تبث رسالة، وتحاول أن تنتزع بالصوت معلومة لم تتمكن الغارات من الوصول إليها.
وتنعقد مفاوضات روما بين الرابع والسادس من آب، وهي الجولة الثانية في العاصمة الإيطالية والأولى بعد اختبار نموذج زوطر الغربية. وسيبحث الوفدان توسيع المناطق التجريبية، وآلية التحقق من تنفيذ الالتزامات، والجهة التي تقيّم أداء الجيش اللبناني، إضافة إلى جدول الانسحابات والقضايا الحدودية. ويرفض لبنان أن تكون إسرائيل حكماً على عمل جيشه، ويطالب بدور لطرف دولي مستقل، بينما تتمسك تل أبيب بحرية العمل الأمني وربط الانسحاب بخطوات لبنانية مسبقة.
من هنا، تبدو معركة علي الطاهر معركة على ترتيب الشروط أكثر مما هي معركة على تلة وحدها. إسرائيل تريد معالجة ما تسميه التهديد قبل أن تنسحب، ولبنان يريد الانسحاب أولاً كي يتمكن الجيش من الانتشار وتنفيذ التزاماته. وبين المنطقين، تحاول النار أن تكتب ما ستناقشه الخرائط في روما.
المفاوضات قد لا تحسم مصير التلة سريعاً، لكنها ستكشف ما إذا كانت واشنطن ستضغط لمنع احتلالها وتكليف الجيش اللبناني بمعالجة ملفها، أم ستسمح لإسرائيل بتحويل عجزها الميداني إلى شرط سياسي. وحتى يتضح ذلك، ستبقى علي الطاهر أكثر من مرتفع عسكري: إنها العقدة التي تختبر صدقية التفاوض، وحدود الدور الأميركي، ومستقبل الانسحاب الإسرائيلي كله.




0 تعليق