Advertisement
يبدو الخلاف للوهلة الأولى تقنيًا بين مساحة صغيرة وأخرى أوسع، غير أنه يلامس في جوهره شكل السيادة التي ستستعيدها الدولة وطبيعة حضورها على الأرض. فالمسألة لا تتعلق فقط بحجم المنطقة التي سيبدأ منها الانسحاب، وإنما بكيفية تعريف النجاح في كل مرحلة، ومن يملك حق تقييمه. هل يكون الانسحاب اختبارًا أمنيًا محدودًا ينتقل من بلدة إلى أخرى، أم مسارًا متكاملًا تستعيد فيه الدولة أرضًا متصلة، وتنشر عليها جيشها ومؤسساتها؟
منطق "المنطقة التجريبية"
تبدو الصيغة عملية في ظاهرها، لأنها تتيح بدء الانسحاب من مساحة صغيرة وتخفف مخاطر الانتقال دفعة واحدة إلى مرحلة أوسع، لكن مشكلتها البنيوية أنها تُبقي مصير كل منطقة رهينة تقدير إسرائيل لنجاح المرحلة السابقة. فإذا اعتبرت أن الجيش لم ينجز المطلوب، تستطيع تأجيل الانسحاب التالي أو إضافة شروط جديدة، وعندها لا يعود التدرج وسيلة لتسهيل الانسحاب، وإنما يتحول إلى أداة لتعليقه أو إبطائه.
القضاء الكامل بين السيادة وصعوبة التنفيذ
يمنح هذا الخيار الجيش انتشارًا أكثر تماسكًا، ويسمح بربط الأمن بعودة الإدارة والإعمار والحياة الطبيعية. فالسيادة لا تكتمل بمجرد رفع العلم أو إقامة حاجز عسكري، وإنما تحتاج إلى عودة السكان، وفتح الطرق، وتشغيل المؤسسات، واستعادة النشاط الاقتصادي. من هنا، يحاول اقتراح القضاء نقل المرحلة الأولى من اختبار أمني يركز على ما يجب أن يفعله لبنان، إلى عملية متبادلة تبدأ بانسحاب إسرائيلي واضح من مساحة محددة.
مع ذلك، لا يخلو خيار القضاء الكامل من صعوبات. فكلما اتسعت المنطقة الأولى، ازدادت حاجات الجيش البشرية واللوجستية، وقد تستفيد إسرائيل من ذلك لرفع سقف شروطها أو الادعاء أن الدولة غير مستعدة لتسلّم مساحة كبيرة دفعة واحدة. لذلك لا تكمن المسألة في حجم المنطقة وحده، وإنما في وجود جدول زمني واضح والتزامات متزامنة تمنع أي طرف من استخدام التفاصيل التقنية ذريعة لتجميد المسار.
يختصر الخلاف على خريطة الانسحاب جوهر الاختبار الحقيقي لجولة روما: من يملك رسم الطريق بعد الخطوة الأولى؟ فإذا نجح لبنان في ربط الانسحاب بجدول معلن، وانتشار متزامن، وعودة فعلية للمؤسسات والسكان، تحولت المرحلة الأولى إلى مدخل لاستعادة الأرض. أما إذا بقي الانتقال من منطقة إلى أخرى رهين التقييم الإسرائيلي والشروط المتبدلة، فقد تتحول "التجربة" إلى آلية لإدارة الانسحاب بالتقسيط، من دون ضمان وصوله إلى نهايته.






0 تعليق