على مدى سنة ونصف السنة تقريباً كان التعاطي السياسي بين "معراب" و"بعبدا" يتم عبر اللقاءات غير المباشرة بين رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون ورئيس حزب "القوات اللبنانية" الدكتور سمير جعجع عبر ما كان يحمله النائب ملحم الرياشي من رسائل سياسية أو بعض الأسئلة الاستيضاحية إلى الرئاسة الأولى، خصوصاً أن مواقف "القوات" من مسار السنة الأولى من العهد الرئاسي كانت تتسم ببعض من التعاطي الواقعي في ما يتعلق بمسألة الحوار مع قيادة "حزب الله"، وكان لها بالتالي أكثر من إعلان عن توافق على المبدأ والهدف الواحد، ولكن بنظرة مختلفة عن السرعة المتوقعة للوصول إلى هذا الهدف. وكانت "القوات" تأخذ على رئيس الجمهورية، وقبل أن يقرّر السير بالمفاوضات المباشرة مع إسرائيل، البطء في "الخطوات السيادية". إلا أن المواقف الأخيرة للرئيس عون قرّبت المسافات السياسية بينه وبين "معراب".
فرئيس الجمهورية كما "القوات" لا يعتبران أن الزيارات السياسية في لبنان مجرد مواعيد بروتوكولية تفرضها قواعد اللياقة بين الرؤساء والقادة السياسيين، بل غالباً ما تأتي في لحظات مدروسة، وتحمل في توقيتها رسائل قد تكون أهم من مضمون البيانات التي تصدر بعدها. ومن هذا المنطلق، تكتسب زيارة جعجع على رأس وفد من نواب كتلة "الجمهورية القوية" لرئيس الجمهورية أهمية خاصة، ليس لأنها الأولى بين الرجلين، بل لأنها تأتي بعد أشهر من انتخاب الرئيس، وفي مرحلة داخلية وإقليمية شديدة الحساسية.
وقد يتساءل كثيرون عن الأسباب التي أخرّت هذه الزيارة، أو لماذا اختير هذا التوقيت تحديداً؟
من الصعب الاعتقاد أن التأخير كان نتيجة فتور في العلاقة الشخصية بين الرجلين، أو بسبب قطيعة سياسية. فالطرفان حرصا، منذ الانتخابات الرئاسية، على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة، وإن لم تكن دائماً معلنة. لكن طبيعة المرحلة التي أعقبت انتخاب العماد عون فرضت أولويات مختلفة، بدءاً من تثبيت مؤسسات الدولة، واحتواء تداعيات الحرب، مروراً بالملفات الأمنية والدبلوماسية، وصولاً إلى المفاوضات التي دخلها لبنان في الأشهر الأخيرة.
كما أن "القوات اللبنانية" فضلت، على ما يبدو، منح العهد الجديد فرصة لإثبات خياراته قبل الانتقال إلى مرحلة التقييم السياسي المباشر. فهي، وإن كانت من أبرز الداعمين لوصول العماد عون إلى رئاسة الجمهورية، حرصت في الوقت نفسه على تأكيد استقلاليتها السياسية، وعدم الظهور وكأنها شريك كامل في كل قرار تتخذه السلطة التنفيذية.
لكن توقيت الزيارة يوحي بأن البلاد دخلت مرحلة مختلفة. فبعد "اتفاق الإطار"، ومع اقتراب استحقاقات داخلية كبرى، من تنفيذ الالتزامات الأمنية، إلى التعيينات الإدارية، مروراً بملف إعادة الإعمار والعلاقة مع المجتمع الدولي، برزت الحاجة إلى إعادة تنسيق المواقف بين رئاسة الجمهورية وأحد أبرز المكونات السياسية المسيحية.
ومن هنا، تبدو الزيارة أبعد من مجرد لقاء مجاملة. فهي تشكل مناسبة لتبادل التقييم حول المرحلة المقبلة، ولتحديد نقاط الالتقاء والاختلاف، خصوصاً في الملفات التي سترسم ملامح العهد في سنواته الأولى.
ولا يستبعد مراقبون أن يكون رئيس الجمهورية معنيّاً أيضاً بتوسيع دائرة التشاور مع مختلف القوى السياسية، وعدم حصر اتصالاته بحلفاء أو بخصوم محددين، انطلاقاً من إدراكه أن المرحلة المقبلة تحتاج إلى أكبر قدر ممكن من الغطاء السياسي الداخلي، في ظل الضغوط الخارجية والاستحقاقات المتراكمة.
في المقابل، يدرك الدكتور جعجع أن انتقال "القوات اللبنانية" من موقع الدعم المبدئي للعهد إلى موقع الشريك في النقاش حول السياسات العامة، يمنح الحزب فرصة للتأثير في الخيارات الوطنية الكبرى، من دون التخلي عن حقه في المعارضة عندما يرى أن بعض المسارات لا تنسجم مع قناعاته.
ولعل الرسالة الأهم التي تحملها الزيارة تكمن في تأكيد أن الحوار بين المؤسسات الدستورية والقوى السياسية يبقى أكثر جدوى من إدارة الخلاف عبر الإعلام أو المنابر. فلبنان يقف أمام تحديات تتجاوز قدرة أي فريق على مواجهتها منفرداً، سواء تعلق الأمر بتنفيذ "اتفاق الإطار"، أو بإعادة بناء الثقة العربية والدولية، أو بإطلاق الإصلاحات التي ينتظرها اللبنانيون.
لكن هذا لا يعني أن الزيارة ستطوي تلقائياً كل نقاط التباين. فالاختلاف في مقاربة بعض الملفات، ولا سيما السيادية والإصلاحية، سيبقى قائماً، إلا أن مجرد انعقاد اللقاء في هذا التوقيت يوحي بأن الجميع بدأ يدرك أن المرحلة المقبلة تحتاج إلى إدارة الخلاف بالحوار، لا بالقطيعة.
قد لا يكون السؤال الحقيقي لماذا تأخرت زيارة جعجع إلى بعبدا، بل لماذا أصبحت ضرورية اليوم. فالمرحلة التي دخلها لبنان بعد الحرب، ومع بدء اختبار تنفيذ التفاهمات السياسية والأمنية، تفرض إعادة ترتيب الأولويات الداخلية، وتوسيع مساحة التشاور بين الرئاسة والقوى الأساسية، لأن نجاح العهد لن يقاس فقط بما يحققه على المستوى الخارجي، بل أيضاً بقدرته على بناء تفاهمات داخلية تحمي الاستقرار وتمنح الدولة هامشاً أوسع للتحرك.
Advertisement
وقد يتساءل كثيرون عن الأسباب التي أخرّت هذه الزيارة، أو لماذا اختير هذا التوقيت تحديداً؟
من الصعب الاعتقاد أن التأخير كان نتيجة فتور في العلاقة الشخصية بين الرجلين، أو بسبب قطيعة سياسية. فالطرفان حرصا، منذ الانتخابات الرئاسية، على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة، وإن لم تكن دائماً معلنة. لكن طبيعة المرحلة التي أعقبت انتخاب العماد عون فرضت أولويات مختلفة، بدءاً من تثبيت مؤسسات الدولة، واحتواء تداعيات الحرب، مروراً بالملفات الأمنية والدبلوماسية، وصولاً إلى المفاوضات التي دخلها لبنان في الأشهر الأخيرة.
كما أن "القوات اللبنانية" فضلت، على ما يبدو، منح العهد الجديد فرصة لإثبات خياراته قبل الانتقال إلى مرحلة التقييم السياسي المباشر. فهي، وإن كانت من أبرز الداعمين لوصول العماد عون إلى رئاسة الجمهورية، حرصت في الوقت نفسه على تأكيد استقلاليتها السياسية، وعدم الظهور وكأنها شريك كامل في كل قرار تتخذه السلطة التنفيذية.
لكن توقيت الزيارة يوحي بأن البلاد دخلت مرحلة مختلفة. فبعد "اتفاق الإطار"، ومع اقتراب استحقاقات داخلية كبرى، من تنفيذ الالتزامات الأمنية، إلى التعيينات الإدارية، مروراً بملف إعادة الإعمار والعلاقة مع المجتمع الدولي، برزت الحاجة إلى إعادة تنسيق المواقف بين رئاسة الجمهورية وأحد أبرز المكونات السياسية المسيحية.
ومن هنا، تبدو الزيارة أبعد من مجرد لقاء مجاملة. فهي تشكل مناسبة لتبادل التقييم حول المرحلة المقبلة، ولتحديد نقاط الالتقاء والاختلاف، خصوصاً في الملفات التي سترسم ملامح العهد في سنواته الأولى.
ولا يستبعد مراقبون أن يكون رئيس الجمهورية معنيّاً أيضاً بتوسيع دائرة التشاور مع مختلف القوى السياسية، وعدم حصر اتصالاته بحلفاء أو بخصوم محددين، انطلاقاً من إدراكه أن المرحلة المقبلة تحتاج إلى أكبر قدر ممكن من الغطاء السياسي الداخلي، في ظل الضغوط الخارجية والاستحقاقات المتراكمة.
في المقابل، يدرك الدكتور جعجع أن انتقال "القوات اللبنانية" من موقع الدعم المبدئي للعهد إلى موقع الشريك في النقاش حول السياسات العامة، يمنح الحزب فرصة للتأثير في الخيارات الوطنية الكبرى، من دون التخلي عن حقه في المعارضة عندما يرى أن بعض المسارات لا تنسجم مع قناعاته.
ولعل الرسالة الأهم التي تحملها الزيارة تكمن في تأكيد أن الحوار بين المؤسسات الدستورية والقوى السياسية يبقى أكثر جدوى من إدارة الخلاف عبر الإعلام أو المنابر. فلبنان يقف أمام تحديات تتجاوز قدرة أي فريق على مواجهتها منفرداً، سواء تعلق الأمر بتنفيذ "اتفاق الإطار"، أو بإعادة بناء الثقة العربية والدولية، أو بإطلاق الإصلاحات التي ينتظرها اللبنانيون.
لكن هذا لا يعني أن الزيارة ستطوي تلقائياً كل نقاط التباين. فالاختلاف في مقاربة بعض الملفات، ولا سيما السيادية والإصلاحية، سيبقى قائماً، إلا أن مجرد انعقاد اللقاء في هذا التوقيت يوحي بأن الجميع بدأ يدرك أن المرحلة المقبلة تحتاج إلى إدارة الخلاف بالحوار، لا بالقطيعة.
قد لا يكون السؤال الحقيقي لماذا تأخرت زيارة جعجع إلى بعبدا، بل لماذا أصبحت ضرورية اليوم. فالمرحلة التي دخلها لبنان بعد الحرب، ومع بدء اختبار تنفيذ التفاهمات السياسية والأمنية، تفرض إعادة ترتيب الأولويات الداخلية، وتوسيع مساحة التشاور بين الرئاسة والقوى الأساسية، لأن نجاح العهد لن يقاس فقط بما يحققه على المستوى الخارجي، بل أيضاً بقدرته على بناء تفاهمات داخلية تحمي الاستقرار وتمنح الدولة هامشاً أوسع للتحرك.




0 تعليق