الهيئة الناظمة للكهرباء تترنّح والعتمة مستمرة... بيضون: فشل يُستنسخ والحل يبدأ من هنا

لبنان24 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف
خلال أيلول الماضي، أبصرت الهيئة الناظمة لقطاع الكهرباء النور بعد 24 عاماً من التأخير. بعد مرور تسعة أشهر على تعيينها، لم تتمكن الهيئة من إحداث أيّ خرق فعلي في واقع القطاع المتعثر، إذ بقيت أزمة الكهرباء على حالها، فيما لا يزال اللبنانيون يرزحون تحت عبء فواتير المولّدات وكلفة التغذية المتقطّعة، على الرغم من تراجع أسعار النفط خلال السنوات الماضية، وعودتها إلى مسار الانخفاض بعد الارتفاع الذي رافق اندلاع المواجهة الأميركيّة - الإيرانيّة.

Advertisement


وقد فاجأ تعثر عمل الهيئة المبكر واستقالة رئيسها الرأي العام، ما أعاد طرح تساؤلات جديّة حول قدرتها على أداء الدور المحوري الهام المنوط بها، وجديّة الآمال المعلّقة على مباشرتها مهامها الرقابيّة والتخطيطيّة، وما إذا كانت قادرة فعلاً على النهوض بالقطاع، على رغم الخطط التي صدر آخرها أواخر عام 2022 تحت عنوان "خطة الطوارئ الوطنية"، والتي تضمنّت رفعًا متسرّعًا وعشوائيًا للتعرفة لتأمين التوازن المالي لمؤسسة كهرباء لبنان، دون أن يتحقق هذا الهدف حتّى بعد مرور أربع سنوات على تطبيقها. كما لم يشهد النهج المعتمد في وزارة الطاقة أيّ تكحوّل جوهري، ما يثير الشكوك حول فعاليّة المسار الإصلاحي وأوهامه في ظلّ الحكومة الحاليّة.

أزمة إدارة لا أزمة إنتاج
تعليقًا على الفشل المتواصل في قطاع الكهرباء، رغم تعيين الهيئة الناظمة وانتقال إدارة وزارة الطاقة إلى فريق سياسي آخر، اعتبر الباحث في السياسات العامة في المعهد اللبناني لدراسات السوق، والمدير العام السابق للاستثمار في وزارة الطاقة والمياه غسان بيضون أنّ أزمة الكهرباء في لبنان ليست أزمة إنتاج، بقدر ما هي أزمة إدارة وهدر وفساد وأيادٍ سود، مشيرًا في حديث لـ "لبنان 24" إلى أنّ نحو 55% من الطاقة التي توزّعها مؤسسة كهرباء لبنان، تضيع بين الهدر والخسائر التقنيّة والتعديات على الشبكة، ما يجعل أيّ زيادة في الإنتاج غير مجدية، بل على العكس، ما لم تُعالج مكامن الخلل الأساسيّة. وأوضح في حديث لـ "لبنان 24" أنّ المواطن الملتزم بدفع الفواتير "يتحمّل عمليًّا كلفة من لا يدفع" في ظل استمرار ضعف الجباية، وتراكم الديون، واستمرار العقود المكلفة، وعدم سداد مستحقّات استيراد الوقود.


هيئة ناظمة مستقلة ومزارع للطاقة الشمسيّة
أُنشئت الهيئة الناظمة لقطاع الكهرباء بموجب القانون 462 عام 2002، إلا أنّ تشكيلها تأخّر لأكثر من عقدين بذريعة تعارض استقلاليتها مع صلاحيات وزير الطاقة "وهي حجّة أثبتت التجربة عدم صحتها" وفق بيضون معتبرًا أنّ "غياب الهيئة ساهم في استمرار فشل القطاع وتفاقم أزمته، كما أنّ التطورات التي شهدها لبنان خلال السنوات الأخيرة، ولا سيّما الانتشار الواسع للطاقة الشمسيّة، جعلت الحاجة إلى هيئة ناظمة مستقلّة أكثر إلحاحًا".

وأوضح أنّ الطاقة الشمسيّة، التي شاعت بمبادرات فردية ومن خلال شركات خاصة وهبات توفّرت لبعض المؤسسات العامة، باتت تؤمّن نحو 1500 ميغاواط، أي ما يقارب ثلث حاجة لبنان من الكهرباء "ما يثبت جدوى الاعتماد على الطاقات المتجددة كجزء أساسي من الحل. هذا الواقع يفرض الانتقال نحو لامركزية الإنتاج والتوزيع، عبر تمكين البلديات واتحادات البلديات، بالشراكة مع القطاع الخاص، من إنشاء مزارع للطاقة الشمسيّة على المشاعات العامة، بما يتيح تأمين الجزء الأكبر من حاجات المناطق خلال معظم أشهر السنة نهارًا، على أن تتولى مؤسسة كهرباء لبنان تأمين التغذية إلى المدن الكبرى حيث تتركز إدارات الدولة المركزيّة والمؤسسات والأنشطة الاقتصادية والتجارية والصناعية، لتعود ليلًا وتؤمّن التغذية للمناطق".

آلية التعيينات فاشلة
طلب وزير الطاقة والمياه جو الصدي إدراج بند في جلسة مجلس الوزراء لقبول استقالة رئيس هيئة تنظيم قطاع الكهرباء مروان جمال، واعتبار العضو المتفرغ هنري ضاهر مستقيلاً حكمًا لتخلّفه عن الالتحاق بالعمل، مع السير في إجراءات تعيين بديلين عنهما لضمان استمرار عمل الهيئة. وفي معرض تعليقه على واقع الهيئة الناظمة،رأى بيضون أنّ الاستقالات تكشف وجود خلل في آلية الاختيار، معتبرًا أنّ ما حصل يشير إلى أنّ من تقدّموا إلى هذه المواقع لا يملكون المعرفة الكافية بواقع القطاع والبيئة التي يفترض أن يعملوا ضمنها.كما أنّ الجهات المعنية بالاختيار لم تنجح في التحقّق من خلفيات المرشحين، أو من مدى إلمامهم بأزمة القطاع وتعقيداتها، فضلاً عن جديّة تصوراتهم لمعالجتها."إذ ليس كلّ شخص اكتسب تجربة  في الخارج مؤهّلًا بالضرورة لمعالجة مشاكل الداخل اللبناني بخصوصيات واقعها، والتعيينات يجب أن تقوم على الكفاءة والخبرة الفنيّة لا على المحسوبيات ". بيضون كشف أنّ التوجه نحو تعيين بديل لرئيس الهيئة كان سيشكل "خيارًا أسوأ"، معربًا عن اعتقاده بأنّ الحكومة قد تعيد النظر في هذا المسار.

الاستفادة من خبرات المؤسسة
طرح بيضون الاستفادة من خبرات قدامى مؤسسة كهرباء لبنان، ممن تدرّجوا من القاعدة إلى القمة، وراكموا تجاربًا وخبرات طويلة في إدارة القطاع، كاشفًا أنّه اقترح على كبار المسؤولين المعنيين بشؤون القطاع تشكيل هيئة استشارية تضم عددًا من الخبراء السابقين لتقديم المشورة بصورة تطوّعية. وسمّى من بين هؤلاء، وجميعهم مهندسون، المدير العام السابق لمؤسسة كهرباء لبنان جورج معوض، ومدير الدراسات السابق وليد دغيلي ، والمدير السابق للإنتاج والتوزيع والرقابة عامر طفيلي، والمهندس هاني الحسيني "كونهم يدركون الداء والدواء، ويملكون معرفة دقيقة بأسباب الأزمة وسبل معالجتها".

استقلال طاقوي
من بين الحلول التي تطرحها وزارة الطاقة، يبرز خيار استجرار الغاز والكهرباء من الخارج. إلا أنّ بيضون شكّك بجدوى هذه المشاريع، متسائلاً عن الجهة التي ستتولى تمويل إنشاء معامل تعمل على الغاز، أو ضمان سداد مستحقات الغاز المستورد، في ظل الوضع المالي المتردي للمؤسسة "الحديث عن استجرار الغاز من مصر أو الكهرباء من الخارج يعيد إنتاج السياسات نفسها التي فشلت سابقًا، في وقت يحتاج البلد إلى استقلال طاقوي قدر الإمكان، عبر الاستثمار المكثّف في الطاقة الشمسيّة والطاقات المتجددة، بدلاً من ربط مستقبل القطاع بمشاريع خارجيّة تبقى رهينة الاعتبارات السياسيّة والماليّة".

الحلول ممكنة
عن تصوّره لحل الأزمة لفت بيضون أنّ لا حلول من دون إدراك مكمن الخلل، مشددًا على ضرورة الذهاب نحو لا مركزية الإنتاج والتوزيع، على غرار تجربتي كهرباء زحلة وجبيل تقنيًّا فقط، عبر تقسيم المناطق واستحداث مداخل ومخارج على الشبكة، بالتعاون بين القطاعين العام والخاص. موضحًا أنّ أبرز أهداف قانون تنظيم قطاع الكهرباء كسر احتكار مؤسسة كهرباء لبنان لقطاعي الإنتاج والتوزيع، لافتًا إلى أنّ دور الهيئة الناظمة يتمثّل في تفعيل هذا المبدأ وتطبيقه عمليًّا، بعيدًا عن نماذج مقدمي الخدمات التي أثبتت فشلها. وأكد أنّ إصلاح القطاع يبدأ بوقف الهدر وتعزيز الرقابة وكسر الاحتكار في الإنتاج والتوزيع واختيار أصحاب الكفاءة لإدارة القطاع "الخطابات شيء، أمّا الإصلاح الفعلي فيتطلب قرارات مختلفة تمامًا عن تلك التي نشهدها".وخَلُص إلى أنّ معالجة قطاع الكهرباء تحتاج إلى "عقل نظيف وكف أنظف".
في المحصلة، تبدّلت الوجوه وبقي التيار الكهربائي شبه غائب، فيما لم تختلف وعود الإصلاح التي تتكرر اليوم عن وعود الأسلاف، ما يعكس استمرار الأزمة من دون أيّ معالجة جذريّة.

 

أخبار ذات صلة

0 تعليق