Advertisement
فالطرفان، أي إسرائيل و"حزب الله"، أُنهكا من حرب بدت في لحظة من اللحظات الحرجة من دون نهاية مرجوة، إلاّ أنهما لا يملكان حتى الآن مقومات هدنة دائمة أو تهدئة مستقرة. لذلك، فإن وقف إطلاق النار القائم يبدو أقرب إلى "هدنة تحت النار" منه إلى اتفاق نهائي ينهي أسباب الصراع.
من جهة إسرائيل، هناك حرص على منع "حزب الله" من استعادة قدراته العسكرية أو إعادة بناء بنيته التنظيمية بالقرب من الحدود، وهي تعتبر أن أي تحرك تراه تهديدًا مباشرًا قد يبرر العودة إلى الضربات العسكرية، حتى لو أدى ذلك إلى خرق وقف إطلاق النار. وفي المقابل، يسعى "حزب الله" إلى الحفاظ على ما تبقى من عناصر قوته ونفوذه، مع تجنب الانجرار إلى مواجهة واسعة قد تكون كلفتها أكبر بكثير من أي مكسب سياسي أو عسكري.
كما أن صمود وقف إطلاق النار، في رأي المراقبين، لا يتوقف فقط على قرار الطرفين، بل يتأثر بعوامل إقليمية أوسع، وأبرزها الغموض الذي لا يزال يشوب مسار العلاقات الأميركية – الإيرانية وما إذا كانت تتجه إلى مزيد من التفاهم أو إلى مواجهة جديدة، إضافة إلى أن الوضع الداخلي في إسرائيل، بحيث أنه يمكن أن تدفع الاعتبارات السياسية أو الأمنية الحكومة إلى تصليب موقفها.
ويضاف إلى هذين العاملين سؤال عن قدرة الدولة اللبنانية على تعزيز حضورها في الجنوب وتطبيق القرارات الدولية، ولا سيما القرار 1701، وما هي طبيعة الدور الذي ستلعبه قوات "اليونيفيل" والضغوط الدولية للحفاظ على الاستقرار.
وعليه، يمكن القول إن وقف إطلاق النار سيصمد طالما أن كلفة انهياره أعلى من كلفة استمراره بالنسبة إلى الطرفين. أما إذا تغيرت المعادلات الإقليمية أو شعر أحدهما بأن ميزان القوى بات يسمح له بتحقيق مكاسب جديدة، فإن الجنوب قد يعود سريعًا إلى دائرة التصعيد.
وفي ضوء ما ستكشفه الأيام الطالعة، فإن لبنان سيبقى متأرجحًا بين الحرب والسلم، وسيبقى الجنوب رهنًا بمدى ثبات هذه الهدنة، التي يمكن وصفها بـ "الهشة"، لكنها تبدو قابلة للصمود كما هي قابلة للانهيار عند أول تبدل في موازين القوى أو في الحسابات الإقليمية.
فوقف إطلاق النار القائم ليس نتاج مصالحة أو تفاهم سياسي بين الطرفين بطبيعة الحال، بل هو نتيجة توازن دقيق بين الإرهاق العسكري والخشية من كلفة المواجهة الشاملة. فإسرائيل تريد جنوبًا منزوع التهديد، و"حزب الله" يريد الحفاظ على دوره وقدرته على الردع، فيما الدولة اللبنانية تحاول الإمساك بواقع معقد يتجاوز إمكاناتها.
ولذلك، فإن السؤال الحقيقي لم يعد عما أذا كانت الحرب ستندلع من جديد بل أصبح: إلى متى يستطيع الطرفان إدارة حالة اللا حرب واللا سلم؟ لأن ما يجري اليوم ليس نهاية صراع دامٍ، بل مرحلة جديدة منه، عنوانها تثبيت الوقائع على الأرض وانتظار ما ستؤول إليه التحولات الإقليمية الكبرى.
وإذا أرد المرء العودة إلى تجارب لبنان مع حالات وقف إطلاق النار منذ العام 2006 حتى اليوم، وهو أطول وقف لإطلاق النار بين إسرائيل و"حزب الله"، إذ استمر من دون حرب شاملة لنحو 18 عامًا، فإن مئات الحوادث الأمنية والاشتباكات المحدودة والخروقات المتبادلة التي كانت تتكرر بين الحين والآخر تؤّشر إلى أن هذه التجربة لم تصمد إلى ما يمكن وصفه باستعداد الطرفين لتطبيق حرفي للقرار 1701، خصوصًا أن التجارب السابقة لا تدعو إلى كثير من التفاؤل في ضوء ما شهدته العلاقات المتوترة بين الطرفين من عدة تفاهمات أو هدنات غير رسمية منذ ثمانينيات القرن الماضي، أبرزها:
- تفاهم تموز 1993 بعد عملية "تصفية الحساب"، وقد صمد لفترة لكنه لم يمنع عودة المواجهات لاحقًا.
- تفاهم نيسان 1996 بعد عملية "عناقيد الغضب"، وأرسى قواعد اشتباك غير مكتوبة استمرت حتى الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان عام 2000.
- وقف إطلاق النار عام 2006 بموجب القرار 1701، وهو الأطول زمنًا، لكنه شهد اتهامات متبادلة بخرقه على مدى السنوات اللاحقة.
- اتفاق وقف إطلاق النار في أواخر 2024، والذي تعرض منذ بدايته لاتهامات متبادلة بالانتهاك، قبل أن يشهد أكثر من مرة تجددًا للقتال ثم العودة إلى التهدئة بوساطات دولية وإقليمية.
- خلال حزيران 2026، أُعلن مجددًا عن وقف لإطلاق النار بعد جولة عنيفة من المواجهات، لكن التقارير أشارت إلى استمرار حوادث أمنية متفرقة حتى بعد دخوله حيز التنفيذ، ما يعكس هشاشة الوضع.
وهنا، يمكن القول إن المشكلة ليست في عدد مرات إعلان وقف إطلاق النار، بل في أن أياً من هذه الاتفاقات لم يعالج جذور الصراع. فكل هدنة كانت تؤجل المواجهة ولا تنهيها، لأن إسرائيل تسعى إلى ضمان أمن حدودها الشمالية ومنع وجود قوة مسلحة معادية قربها، فيما يرى "حزب الله" أن سلاحه جزء من معادلة الردع والمقاومة. وبين هذين المنطقين، يبقى وقف إطلاق النار أقرب إلى إدارة للصراع منه إلى تسوية نهائية له.
ومن هنا يطرح السؤال الأهم: هل يكون وقف إطلاق النار الحالي مختلفًا عن سابقاته، أم أنه مجرد هدنة جديدة في انتظار جولة أخرى من المواجهة؟







0 تعليق