ووفقاً لتقارير منظمة "اليونيسف" نقلاً عن وزارة الصحة العامة، استشهد ما لا يقل عن 23 طفلاً وأصيب 93 آخرون منذ دخول الهدنة حيّز التنفيذ. وبذلك ارتفع العدد الإجمالي منذ الثاني من آذار إلى أكثر من 200 طفل شهيد 800 أطفال جرحى، بمعدل صادم يبلغ 14 طفلاً بين شهيد وجريح يومياً.
Advertisement
لغة الحرب تسلّلت الى ألعاب الأطفال
وتروي الأم زينب، التي اضطرت إلى مغادرة منزلها مع عائلتها منذ الثاني من آذار، عبر “لبنان24”، كيف غيّرت الحرب تفاصيل حياة أطفالها وسلوكهم اليومي. وتقول إن ابنها بات يلعب بالطائرات البلاستيكية، وكأنها صواريخ ستسقط على المنازل، فيما ينام واضعاً الوسادة فوق رأسه هرباً من هدير المسيّرات الذي لا يهدأ.
أما ابنتها، فتبدّلت طريقة تعلّمها، فبدل أن تحفظ أسماء البلدان والعواصم وثقافاتها ولغاتها، أصبحت تميّز بين أعلام أميركا وإيران ولبنان وإسرائيل، وتسأل: من هي الدول "الأقوى" في الحرب؟، ومن سيربح الحرب؟ في مشهد يكشف كيف تسلّلت لغة الحرب إلى وعي الأطفال وتفاصيل يومياتهم.
الأطفال ... "ناجون نفسيون"
وما ترويه زينب لم يُعدّ حالة استثنائية، بل نموذجاً يومياً لما يعيشه آلاف الأطفال الذين وجدوا أنفسهم في مواجهة الخوف المستمر وأصوات الحرب والنزوح المتكرر.
ولفهم أعمق لهذه التحولات النفسية والسلوكية، توضح المعالجة النفسية ريتا زخّور، عبر "لبنان٢٤" أنّ الأطفال الذين يتعرضون للحرب يمكن وصفهم بأنهم “ناجون نفسيون”، إذ يعيشون في حالة دائمة من الاستنفار، وكأن جهازهم العصبي في خطر مستمر. وتشرح أنّ هذه الحالة تندرج ضمن عوارض الصدمة النفسية (التروما) والضغط النفسي المزمن، حيث يبقى الطفل في حالة توقّع دائم للخطر، حتى في لحظات الهدوء. وينعكس ذلك انعزالاً لدى بعض الأطفال، فيما قد يُظهر آخرون سلوكاً أكثر عدوانية، ولاسيما عندما يعجزون عن التعبير بالكلمات، وهو ما يزداد في البيئات التي تفتقد إلى الأمان والاستقرار.
وتلفت زخّور إلى أنّ الأطفال الذين يعيشون تجارب صادمة متكررة، مثل التهديد المباشر أو النزوح أو فقدان أشخاص مقرّبين، قد يطوّرون شعوراً بالخوف والذنب في آنٍ واحد، ما ينعكس على سلوكهم اليومي ونوعية نومهم واستقرارهم العاطفي. وتشير إلى أنّ الأطفال الذين يشاهدون الحرب مباشرة يتأثرون بشكل أكبر من أولئك الذين يتعرضون لها عبر الأخبار ومواقع التواصل الاجتماعي فقط، رغم أنّ كلا الفئتين تعاني من انعكاسات نفسية واضحة.
لذلك، تشدّد على أهمية الحدّ من تعرّض الأطفال المستمر للأخبار والصور المرتبطة بالعنف، لما في لذلك من أثر مباشر في رفع مستويات القلق لديهم.
وتلفت في الوقت نفسه، إلى أنّه من الأخطاء الشائعة عند الأهل، الاعتقاد بأن إخفاء الأخبار يحمي الأطفال، في حين أنّ غياب التوضيح والصراحة قد يزيد من مخاوفهم. وتدعو إلى تشجيع الأطفال على التعبير وطرح الأسئلة والإجابة عنها بما يتناسب مع أعمارهم، بدلاً من الصمت أو التجاهل.
أطفال في دائرة "الانقطاع عن التعليم"
في سياق متصل، واستنادا الى منظمة "اليونيسف”، فإن نحو طفل واحد من كل ثلاثة أطفال في سن الدراسة في لبنان (حوالى 30%) خارج المدرسة، نتيجة الحرب والفقر، ما يعكس حجم الانعكاسات التراكمية للأزمة على حقّ الأطفال في التعليم.
وفي هذا السياق، تؤكد زخّور أنّ الطفل لا يستطيع التعلم أو الاستكشاف إلا في بيئة يشعر فيها بالأمان، إذ يصبح الدماغ في حالات الخوف المستمر منشغلاً بالبقاء على "قيد الحياة" بدل التركيز على الدراسة أو التفاعل الاجتماعي، ما ينعكس تراجعاً في الأداء المدرسي واضطراباً في الانتباه والتركيز.
كما تشدد على أهمية المدرسة في إعادة بناء الشعور بالنظام والانتماء، ودور المعلمين في مراقبة سلوك الأطفال ورصد أي تغيّرات قد تشير إلى اضطرابات نفسية، مثل الانعزال، العدوانية، أو صعوبات التركيز.
وترى أن الأولوية في هذه المرحلة، ليست للنجاح الأكاديمي فقط، بل لشعور الطفل بالأمان والقدرة على التعبير عن مشاعره بحرية. وتشير إلى ضرورة الانتباه للتغيّرات السلوكية والجسدية مثل الشكوى المتكررة من الصداع أو آلام البطن من دون سبب عضوي، والتي قد تكون مؤشراً على قلق نفسي.
طفولة تبحث عن أمان
كما تحذّر من التقليل من مشاعر الأطفال أو نفيها بعبارات مثل "لا تخف" أو "كن قوياً"، إذ قد يشعر الطفل عندها بالخجل من مشاعره أو بعدم فهمها. وتوضح أنّ المطلوب هو الاعتراف بمشاعر الطفل ومساعدته على فهمها وتنظيمها، لا إنكارها أو قمعها.
وتشدّد زخّور على أنّ دور الأهل لا يتطلب الكمال، بل الحضور العاطفي وتقديم الدعم والطمأنة، إلى جانب الحفاظ على روتين يومي واضح يمنح الطفل إحساساً بالاستقرار.
وتؤكد في سياق متصل، أنّ اللجوء إلى معالج نفسي لا يجب أن يُنظر إليه كوصمة، بل كخطوة علاجية طبيعية، تماماً كما تُعالج الكسور الجسدية، فالصحة النفسية قد تتعرض لاضطراب يحتاج إلى دعم مختص لاستعادة التوازن والعافية.
"الوالدية الإيجابية" في مواجهة آثار الحرب
أما على المستوى الاجتماعي، فتلفت المؤسسات المختصة إلى انعكاسات مباشرة يعيشها الأطفال داخل أسرهم ومراكز النزوح.
وتقول رئيسة اتحاد حماية الأحداث أميرة سكر عبر "لبنان٢٤" إنّ الأطفال هم مرآة أهلهم، وبقدر تأثّر الأهل بالحرب الإبادية يتأثّر الأطفال نفسيًا وسلوكيًا. وتضيف أنّ الواقع "مأساوي" لأنّ الغموض يسيطر على المشهد، ولا أحد يستطيع توقّع ما قد يحدث، ما يجعل شعور الطفل بالأمان في هذه المرحلة شبه مستحيل.
وتلفت إلى أنّ الأطفال اضطروا إلى ترك منازلهم وأغراضهم وذكرياتهم وألعابهم، والنزوح إلى أماكن جديدة لا تربطهم بها أي علاقة أو ألفة، معتبرةً أنّ محاولات التخفيف من هذا الواقع تبقى محدودة، "كمن يعطي مسكّنًا لمريض يعاني من كسور في العظم".
وفي سياق متصل، أشارت سكر إلى تسجيل ازدياد في حالات العنف ضد النساء والأطفال من قبل بعض "الأباء"، في مراكز النزوح، ما دفع اتحاد حماية الأحداث، الى تنظيم جلسات توعوية للأهل عن "الوالدية الإيجابية". وهو أسلوب تربوي يركّز على الحوار مع الطفل، وفهم مشاعره، وتوجيه سلوكه بطريقة هادئة تقوم على الاحترام والحدود الواضحة بدلاً من العنف أو العقاب القاسي، إلى جانب تقديم الدعم النفسي للأطفال والأهالي على حد سواء.
كما نظّم الاتحاد، أنشطة رياضية وترفيهية، للأهالي ولاسيما للآباء، مثل الشطرنج والدومينو وطاولة الزهر، بهدف التخفيف من الضغوط النفسية وخلق بيئة أقل توتراً.
الحروب قد تنتهي وتتوقف الطائرات عن الهدير، لكن معركة ترميم النفوس المنكسرة ومداواة الصدمات الخفية للأطفال هي حربٌ أخرى طويلة الأمد. لذلك، الاستثمار في الصحة النفسية للصغار اليوم، واحتضان مخاوفهم، وتأمين بيئة أسرية ومدرسية مستقرة، هو الاستثمار الحقيقي الوحيد المتبقي لإنقاذ اجيال كاملة من التداعيات النفسية العميقة التي قد ترافقهم لسنوات، وتؤثر على مسار حياتهم ونموهم المستقبلي.
Sent from my iPhone










0 تعليق