"الحزب" يتقاطع مع السلطة… لكن مقاربات التفاوض متناقضة

لبنان24 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف
بين واشنطن وتل أبيب وطهران، يجد لبنان نفسه مجدداً على طاولة إعادة رسم خرائط النفوذ والتوازنات. فالجولة الجديدة من المفاوضات اللبنانيةالإسرائيلية، التي تستضيفها العاصمة الأميركية غدا والجمعة تشكّل اختباراً إضافياً للدور الأميركي، لا سيما أنّ إسرائيل تتعامل مع هذا المسار بوصفه استجابة لضغط واشنطن أكثر منه خياراً استراتيجياً لإنهاء حالة الحرب. فرغم انخراطها في المفاوضات، لا تبدو تل أبيب مقتنعة بإمكان تحقيق الهدف المركزي الذي تطرحه، والمتمثل بنزع سلاح حزب الله.

Advertisement

التحرك الأميركي، وفق المعطيات، تجاوز حدود الوساطة التقليدية للوصول إلى اتفاق. فالسفير الأميركي في بيروت، ميشال عيسى، لا يخفي سعيه إلى دفع المسؤولين اللبنانيين نحو مقاربة أكثر انفتاحاً تجاه فكرة السلام مع إسرائيل، في وقت يدرك فيه الجميع أن الظروف الداخلية اللبنانية لا تزال بعيدة عن تحمّل كلفة كهذه سياسياً وشعبياً. كما أنّ التحولات في الموقف السعودي تلعب دوراً أساسياً في إعادة توجيه البوصلة اللبنانية، بعدما شهد الخطاب الرسمي العربي حيال السلام مع إسرائيل تراجعاً ملحوظاً. لذلك، تبدو واشنطن وكأنها تختبر الحدود الممكنة عبر السعي إلى وقف جزئي للتصعيد، وضبط الهجمات الواسعة، وفتح تدريجي لملفات أمنية واقتصادية وحدودية قد تتحول لاحقاً إلى منصة تفاوض سياسي أوسع.
وعشية انطلاق المفاوضات، جاءت رسالة الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم إلى "مجاهدي المقاومة الإسلامية"، في ظل استمرار التصعيد الإسرائيلي على لبنان، وتزايد الحديث عن ضغوط أميركية ودولية لفرض ترتيبات أمنية وسياسية جديدة في الجنوب. وقد حملت الرسالة مزيجاً من التصعيد السياسي والعسكري، وفي الوقت نفسه إشارات واضحة إلى مقاربة تفاوضية مختلفة، بما يعكس إدراك الحزب لحجم التحولات الإقليمية والدولية المرتبطة بالحرب المستمرة منذ أشهر.
وتضمنت الرسالة إشارات سياسية لافتة، أبرزها ربط وقف العدوان على لبنان بإمكان التوصل إلى تفاهم إيراني – أميركي، في إقرار ضمني بأن مسار المواجهة اللبنانية بات مرتبطاً إلى حدّ كبير بالتوازنات الإقليمية، ولا سيما بالمفاوضات غير المباشرة الجارية بين واشنطن وطهران.
وفي هذا السياق، يحاول الحزب، بحسب أوساط سياسية، إظهار انفتاحه على أي مسار يؤدي إلى وقف الحرب، مع التشديد على أنّ التفاوض الرسمي يبقى من صلاحية الدولة اللبنانية، في محاولة لتأكيد عدم السعي إلى تجاوز مؤسسات الدولة، رغم تمسكه بدور المقاومة كعنصر قوة أساسي في أي تسوية مقبلة.
واللافت أن الرسالة وضعت سقفاً سياسياً واضحاً لأي تفاوض، من خلال ما سمّاه الحزب النقاط الخمس، وفي مقدمها وقف العدوان الإسرائيلي، والانسحاب من الأراضي المحتلة، وانتشار الجيش جنوب الليطاني، وإعادة الإعمار، وتحرير الأسرى. وهي شروط تعكس محاولة الحزب الانتقال من موقع الدفاع الميداني إلى الدفع باتجاه تبنّي الدولة لهذه المطالب والعمل على تحقيقها، بالتوازي مع سعيه إلى تثبيت مكاسب سياسية مرتبطة بنتائج المواجهة، علماً أنّ هذه المطالب سبق أن أكدها كلّ من رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون، ورئيس مجلس النواب نبيه بري، ورئيس الحكومة نواف سلام. كما تشير المعلومات إلى أنّ الرئيس عون زوّد السفير سيمون كرم، الذي يترأس الوفد اللبناني في جولة مفاوضات الخميس، بتوجيهات تتصل بهذه النقاط، إضافة إلى ملف تثبيت الحدود.
لكن، ورغم هذا التقاطع، تبقى المشكلة الأساسية بين "الحزب" والسلطة مرتبطة بمسار التفاوض نفسه، إذ لا يزال الحزب يرفض المفاوضات المباشرة مع إسرائيل، باعتبار أنّها تمنح تل أبيب مكاسب سياسية مجانية، مقابل دعوته إلى مفاوضات غير مباشرة يملك فيها لبنان أوراق قوة أكبر. ويعكس هذا الموقف خشية الحزب من أن تتحول أي مفاوضات مباشرة إلى مدخل لتقديم الدولة المزيد من التنازلات.
أما الرسالة الأبرز داخلياً، فتمثّلت، بحسب الأوساط نفسها، في التشديد على أن ملف السلاح شأن لبناني داخلي لا يمكن إدراجه ضمن أي تفاوض مع الخارج. وهنا يحاول الحزب رسم خط أحمر سياسياً واضحاً، يفصل بين الترتيبات المرتبطة بوقف الحرب وبين النقاش الداخلي حول استراتيجية الأمن الوطني ومستقبل سلاح المقاومة، كما أن استشهاد الشيخ نعيم قاسم بكلام رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون حول الاستراتيجية الدفاعية، يوحي بمحاولة "الحزب" إظهار تقاطع مع خطاب الدولة، والتأكيد أنّ أي بحث في مستقبل السلاح يجب أن يتم تحت سقف الحوار الداخلي، لا نتيجة ضغوط خارجية أو شروط إسرائيلية.

 

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق