Advertisement
من الواضح أن المواجهة مع إيران لم تعد تُدار باعتبارها أزمة مؤقتة يمكن احتواؤها عبر ضربة عسكرية أو جولة تفاوض سريعة، بل كجزء من عملية إعادة رسم موازين القوى في المنطقة بأكملها. لذلك، تبدو الحركة الأميركية الحالية محكومة بمنطقين متوازيين: الحفاظ على التفوق الإسرائيلي من جهة، ومنع خصوم واشنطن الدوليين، وخصوصاً الصين، من تحويل التوتر القائم إلى فرصة استراتيجية من جهة أخرى.
هذا ما يفسّر التناقض الظاهر في الخطاب الأميركي خلال المرحلة الأخيرة. ففي الوقت الذي ترتفع فيه نبرة التصعيد والضغط، يجري التمسك بخط التفاوض وعدم قطعه بالكامل، انطلاقاً من إدراك أميركي بأن أي محاولة لفرض تنازلات كبرى على إيران بالقوة وحدها قد تدفع المنطقة نحو حرب طويلة ومكلفة يصعب ضبط نتائجها
مصادر دبلوماسية مطلعة ترى أن واشنطن كانت تعتقد أن حجم الضغوط العسكرية والاقتصادية كفيل بدفع طهران إلى تعديل جذري في موقفها السياسي، أو على الأقل إلى تقديم تنازلات تسمح للإدارة الأميركية بإعلان تحقيق إنجاز واضح. لكن ما حصل حتى الآن لا يشير إلى أن الإيرانيين يتصرفون كطرف يشعر بأنه خسر المعركة أو بات مضطراً للاستسلام السياسي.
في المقابل، تتعامل طهران مع المواجهة من زاوية مختلفة تماماً. إذ يبدو أن الإيرانيين باتوا مدركين بأن ما يجري هو معركة استنزاف طويلة، لذلك فإن الأولوية بالنسبة إليهم لم تعد مرتبطة بحجم الخسائر المباشرة، بل بقدرتهم على منع خصومهم من تحقيق أهداف استراتيجية كبرى، وعلى إبقاء أوراق الضغط الإقليمية قائمة مهما ارتفع مستوى التصعيد.
ومن هنا تحديداً، يعود التوتر في الممرات البحرية والطاقة ليحتل موقعاً أساسياً في المشهد. فإيران تدرك أن قدرتها على تهديد الاستقرار الاقتصادي العالمي تبقى إحدى أهم أدواتها التفاوضية، خصوصاً في ظل القلق الدولي من أي اهتزاز واسع في أسواق الطاقة أو خطوط التجارة.
في الوقت نفسه، لا يبدو أن إسرائيل مستعدة للذهاب سريعاً نحو التهدئة. إذ ثمة قناعة داخل تل أبيب بأن اللحظة الحالية تشكّل فرصة نادرة لإعادة فرض معادلات أمنية جديدة في المنطقة، مستفيدة من الانخراط الأميركي المباشر في المواجهة. ولذلك، تستمرّ الضغوط باتجاه إبقاء سقف التصعيد مرتفعاً وعدم تقديم أي إشارات توحي بقبول تسوية سريعة.
وبحسب المصادر فإنّ استمرار هذا المسار يضع واشنطن أمام معضلة أكثر تعقيداً. فكلما طال أمد المواجهة، ازدادت احتمالات تحوّلها إلى أزمة إقليمية مفتوحة تتجاوز حدود إيران وإسرائيل، وتنعكس مباشرة على الخليج وحتى على التوازنات الدولية المرتبطة بالصراع مع الصين. ولهذا السبب، تتجه الأنظار أكثر فأكثر نحو الدور الصيني المحتمل في المرحلة المقبلة، فبكين، التي لا تريد انفجاراً كبيراً يهدد مصالحها الاقتصادية والطاقة، تبدو معنية بمنع الوصول إلى مواجهة شاملة، وفي الوقت نفسه غير مستعدة لترك إيران معزولة بالكامل تحت الضغط الأميركي.
في المحصلة، فإن النتيجة الأوضح حتى الآن، تتركز حول أن المنطقة دخلت مرحلة شديدة الحساسية، حيث لم تعد الحرب مجرد مواجهة عسكرية، ولم يعد التفاوض مجرد مسار سياسي. كلاهما بات جزءاً من معركة أكبر على شكل التوازنات المقبلة في الشرق الأوسط، وعلى الجهة التي ستنجح في فرض شروط المرحلة الجديدة.











0 تعليق