Advertisement
أولى هذه الأزمات ترتبط مباشرة بالملف الإيراني. فمن الواضح أنّ إسرائيل تعيش حالة قلق فعلية من احتمال ذهاب الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى تسوية كبرى مع طهران. بالنسبة لتل أبيب، هذا السيناريو لا يعني فقط إعادة فتح باب التفاوض، بل يعني عملياً سقوط خيار الحرب العسكرية الشاملة مع إيران، أو على الأقل تراجعه إلى مستويات بعيدة جداً.
وهذا الأمر يحمل تداعيات خطيرة من وجهة النظر الإسرائيلية، لأن إيران في حال خرجت من العزلة الدولية ونجحت في تثبيت تفاهم مع واشنطن، ستتمكن من فتح أبواب اقتصادية وسياسية وتحالفات كبرى مع دول عديدة، ما يعيد تعزيز نفوذها الإقليمي بطريقة مختلفة وأكثر استقراراً.
أما الأزمة الثانية، فتتعلق بالساحة اللبنانية. فإسرائيل تدرك أن أي وقف لاطلاق نار طويل الأمد في لبنان، بضمانات إقليمية أو دولية، سيمنح حزب الله فرصة لإعادة ترميم قدراته تدريجيا.
صحيح أن "الحزب" تلقّى ضربات قاسية خلال المرحلة الماضية، لكن التجارب السابقة أظهرت أن فترات الهدوء الطويلة كانت دائماً فرصة لإعادة التنظيم وإعادة بناء البنية العسكرية والسياسية. لذلك، فإن فرض معادلة استقرار وهدوء في الجنوب، خصوصاً إذا جاء ضمن تفاهم إيراني أوسع، قد يُدخل إسرائيل في أزمة استراتيجية حقيقية، لأنها ستكون أمام خصم يملك الوقت لاستعادة جزء كبير من قوته.
الأزمة الثالثة تبدو داخلية أكثر منها خارجية. فإسرائيل اليوم تؤجل الانفجار السياسي الداخلي بانتظار اتضاح صورة الحرب والمنطقة. لكن في حال الوصول إلى وقف إطلاق نار شامل، سيعود بنيامين نتنياهو إلى الداخل الإسرائيلي محمّلاً بأسئلة ثقيلة تتعلق بما جرى في السابع من أكتوبر، وحجم الفشل الأمني والعسكري والسياسي الذي سبق تلك العملية.
وهنا تكمن المشكلة الأكبر، لأن الانقسامات داخل المجتمع الإسرائيلي مرشحة للتوسع بشكل غير مسبوق.
لهذا، تبدو إسرائيل اليوم أمام مرحلة مختلفة تماماً عن السنوات الماضية. فالتفوّق العسكري وحده لم يعد كافياً لحسم الصراعات، فيما التحولات السياسية الكبرى في المنطقة قد تفرض وقائع جديدة لا تنسجم بالضرورة مع الرؤية الإسرائيلية التقليدية.










0 تعليق